الكفاءة أولى
- 2 days ago
- 2 min read

بمناسبة الزيادة الأخيرة التي تم تطبيقها على أسعار الوقود في ضوء الأحداث الجيوسياسية الأخيرة وما سيليها من ارتفاع في أسعار الكهرباء والاتصالات والمواصلات وغيرها من السلع والخدمات، أتصور أنه قد آن الأوان لفتح الملف المسكوت عنه والذي له عظيم الأثر في التحقق من عدالة تسعير المرافق التي توفرها الدولة وهو الكفاءة. فإذا كنا نقر بأن شراء أي سلعه أو خدمة بسعر أقل من قيمتها الحقيقية من خلال الدعم يؤدى إلى الهدر في استهلاكها بدلاً من ترشيده. فإننا يجب أن نقر أيضا بأن غياب الكفاءة في إدارة تلك المرافق يؤدي إلى عدم العدالة في تسعير مخرجات تلك المرافق لأنه يتضمن تكلفة هدر الموارد وعدم الكفاءة في إدارتها. فعلى سبيل المثال، لو أن المرافق المسئولة عن إنتاج وتوزيع الوقود أو الكهرباء أو الغاز أو المياه تعاني من نقص في الكفاءة متمثلة في عمالة زائدة أو غير منتجة أو أصول غير مستغله أو إهدار للموارد والوقت فلا ينبغي أن يتحمل المستهلك تكلفة هذا القصور الإداري ضمن ما يدفعه من سعر؛ حيث لا ذنب له في هذا القصور. بل إن تحمل المستهلك لتلك التكلفة يعد حافزاً على التمادي في التراخي الإداري بدلاً من العمل على القضاء عليه ومحاسبة المسئولين عنه. كما أنه في حالة الرفع الكلي للدعم يجب أن يتم إعادة النظر في نظام شرائح التسعير؛ حيث لن يوجد حينئذ مبرر لزيادة سعر الوحدة كلما زاد الاستهلاك. بل في أحيان كثيرة يكون العكس هو الواجب تطبيقه؛ حيث أنه كلما زادت الكمية المشتراة كلما قل السعر. وما ينطبق على المرافق يسرى على كل السلع والخدمات. ففي مجال الخضروات والفاكهة والسلع الغذائية، يؤدى غياب الكفاءة في عمليات التخزين والتبريد والنقل الى تلف الكثير من هذه المنتجات قبل وصولها الى المستهلك. فلا يجب تحميل المستهلك بتكلفة هذا الإهدار بزيادة سعر بيع المنتج.
لا شك أن صمام الأمان الأول لحماية المستهلك من تحمل تكلفة القصور في الكفاءة بشتى صورها هو وجود بيئة تنافسية صحية في كل مجالات إنتاج السلع والخدمات. فهذا هو ما يشكل سيفاً على رقاب المنتجين يدفعهم الى تقديم أفضل مستوى جودة بأقل تكلفة ممكنة لتعزيز قدرتهم التنافسية وتجنب شراء المستهلك لمنتج آخر أعلى جوده وأقل سعرا، بما يؤدي إلى خروجهم من السوق. وهو الامر الذي لا ينطبق على مرافق الدولة التي تحتكر تقديم الخدمات السابق ذكرها. لذا، فإن دور المنظم والرقيب وهو جهاز حماية المنافسة ومنع الاحتكار يجب أن يكون فاعلا في التحقق من كفاءة إدارة تلك المرافق وفق المعايير الدولية المتعارف عليها وعدم استغلال أي أوضاع احتكارية قائمة في تحميل المستهلك تكلفة أي إهدار أو عدم كفاءة في إدارتها. خاصة في ظل غياب قانون حرية تداول المعلومات الذي نعاني من تبعاته. أتصور أنه لدي الجهاز كافة الصلاحيات والإمكانيات والكفاءات المهنية اللازمة للقيام بتلك المهام على أكمل وجه. وليشمل كل جهة تقوم بإنتاج أي سلعة أو خدمة يحصل عليها المستهلك بمقابل من أي جهات تتمتع بوضع احتكاري بغض النظر عما إذا كانت تلك الجهات خاصة أو عامة أو حكومية. ضماناً لوصول تلك السلعة او الخدمة للمستهلك بسعر عادل. فـالجهاز قادر على مراجعة هيكل تكاليف تلك السلع والخدمات ومقارنتها بالمعايير المقبولة والمتعارف عليها دولياً. ولعلي أخص بالذكر هنا الكهرباء والمواد البترولية والمياه. بل ومصر للطيران لكي نعرف المبرر وراء ارتفاع أسعارها عن مثيلاتها التي تسبقها كثيرا في الترتيب العالمي لأفضل شركات الطيران. وهكذا بالنسبة لكل بنود السلع والخدمات التي لا يملك المستهلك رفاهية الاختيار فيها لعدم وجود بدائل. فالتحقق من كفاءة الإنتاج وعدم الهدر يسبق قرار زيادة الأسعار. لكيلا يدفع المستهلك ثمن أخطاء الاخرين وعدم كفاءتهم.




