لحظة فارقة
- Amr Kais
- 2 days ago
- 2 min read

لم يكن خبر استحواذ "نتفليكس" على "وارنر براذرز" مجرد صفقة مالية ضخمة تضاف إلى سجل الإندماجيات للشركات العملاقة في هوليوود. لكنه كان نقطة تحول ولحظه فارقه في تاريخ الإعلام تشبه تلك اللحظات التي تغير فيها التكنولوجيا قواعد اللعبة، أو حين يقرر لاعب جديد أن يعيد كتابة تلك القواعد بنفسه. "فنتفليكس"، الشركة التي بدأت بتأجير الإسطوانات المدمجه للأفلام و المسلسلات ثم تطورت لتصبح منصة لتقديم خدمة البث الرقمي، أصبحت اليوم بعد هذه الصفقة إمبراطورية إعلامية تمتلك واحدة من أعرق وأثري مكتبات المحتوى الإعلامي في العالم. وبعبارة أوضح، يكفي أن نعرف أن "وارنر براذرز"، يمتد تاريخها لأكثر من قرن، كانت خلاله مصنعا للعلامات الكبرى مثل "هاري بوتر"و" لوني تونز"، بالإضافة إلى مكتبة أفلامها التي لا تقدر بثمن. لذا، فانتقال هذه القوة إلى نتفليكس يعني أنهـا أصبحت تمتلك مزيجا نادرا من الحداثة الرقمية والإرث السينمائي. وهو مزيج سيعيد رسم خريطة صناعة الإعلام في العالم. فعلى المستوى العالمي، تعني الصفقة أن نتفليكس لم تعد مجرد منصة بث تنافس على المحتوى، بل أصبحت منتجا وموزعا وصاحب حقوق في آن واحد. هذا التحول يعطيها أفضلية في مواجهة عمالقة مثل "ديزني"، "أمازون،" و"باراماونت" خاصة و أن لديها قاعدة بيانات ضخمة عن سلوك المشاهدين، ولديها القدرة على إتخاذ قرارات إنتاج ذاتي للمحتوى الإعلامي مبنية على تحليل دقيق لتلك البيانات. فما هو الأثر المتوقع لتلك الصفقه على صناعة الإعلام؟
من المتوقع أن تشهد صناعة الإعلام تسارعا في إندماجات جديدة بين الشركات الإعلامية الأصغر حجما لتحاول تحسين فرص بقائها و قدرتها على المنافسة. و من المتوقع أن نشهد إرتفاعًا في تكلفة المحتوى عالميا، لأن المنافسة على المواهب والحقوق ستشتعل. كما يتوقع أن نشهد إنتقال مركز الثقل من “الأستوديو التقليدي” إلى “المنصة الشاملة” التي تنتج وتوزع وتبث. بمعنى آخر، ستدخل صناعة الإعلام مرحلة “الإمبراطوريات الرقمية”، حيث لا يكفي أن تكون منصة، بل يجب أن تكون عالما كاملا. أما في مصر، فأتمنى ألا يتصور القائمون على الإعلام فيها بأن تلك الصفقة مجرد خبر عالمي نتابعه من بعيد من قبيل التسلية أو العلم بالشيء. ذلك لأن أثرها على المشهد الإعلامي المصري سيكون ملموسا.فقد كانت نتفليكس قد بدأت بالفعل في إستقطاب كتاب ومخرجين وممثلين من مصر. ومع توسعها الجديد، ستزداد شهيتها للمحتوى العربي، خاصة المصري. و هو ما سيفتح الباب أمام فرص أكبر للمبدعين، شريطة أن يكون مستوى جودة هؤلاء المبدعين على نفس مستوى جودة المحتوى العالمي الذي تقدمه "وارنر برازرز". و هو ما يضع ضغطا على المنتجين المحليين لرفع جودة الصورة، الإخراج، الكتابة، وحتى إدارة الإنتاج. لكن ذلك في الوقت نفسه يفرض تحديا على المؤسسات الإعلاميه المحلية التي قد تجد نفسها غير قادرة على الاحتفاظ بالمواهب و الحصول على المحتوى الجيد. ثم نأتي إلى منصات البث الرقميه الإقليمية مثل "شاهد"، "WATCH IT"، و"OSN+" التي يجب أن تعيد التفكير في إستراتيجياتها. فالمنافسة لم تعد على منصة تعرض أكثر، بل على منصة تفهم جمهورها أكثر. ومع دخول "نتفليكس" بثقل "وارنر براذرز"، سيصبح على المنصات الإقليمية أن تتخصص، أو تتفوق في المحتوى المحلي، أو تتحالف مع كيانات أكبر إن أرادت البقاء.
ختاما، فإن صفقة "نتفليكس–وارنر" ليست مجرد حدث إقتصادي، بل لحظة فارقة تعيد تشكيل الإعلام. عالم جديد سريع ومتشابك يتشكل، لا يعترف بالحدود. عالم لا مكان فيه للمتفرجين ولا لردود الأفعال ولا للجان تطوير الإعلام. إنه عالم من يمتلك الرؤية، والشجاعة والقدرة على تنفيذها.












