top of page

دافوس الأسير

  • Writer: Amr Kais
    Amr Kais
  • Jan 25
  • 2 min read

منذ سبعينات القرن الماضي، يعود منتدى "دافوس" في كل عام ليقدم نفسه كمنصة تجمع قادة العالم في الاقتصاد والسياسة لمناقشة التحديات الكبرى. فجاءت نسخة 2026 التي عقدت الأسبوع الماضي بحضور 3000 مشارك من 130 دولة تحت شعار "روح الحوار" “A spirit of dialogue”، أملا في طرح الحلول لتصاعد التوترات بين القوى الكبرى والمخاوف من تباطؤ النمو الإقتصادي العالمي والحاجة إلى إطار مشترك لتنظيم الذكاء الاصطناعي وتراجع الثقة في المؤسسات الدولية التقليدية.  لكنه تحول إلى النقيض تماما بعد أن أصبح منصة لخطاب الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" الذي لم يكن إقتصاديا ولا حتى دبلوماسيا، بل اتخذ من المنتدى منبرا للتهكم واستعراض القوة.  فجاءت رسالته مفادها أن العالم يجب أن يعيد ترتيب نفسه وفق رؤيته.  فقد ُأعلن عن إطار لاتفاق مستقبلي بشأن "جرينلاند" بدا أقرب إلى إعادة تدوير حلم قديم، لكنه يكشف في جوهره عن عقلية ترى العالم كخريطة عقارات قابلة للمساومة. أما حديثه عن مجلس السلام الذي قد ينافس الأمم المتحدة، فكان إعلانًا صريحًا عن رغبته في إعادة تشكيل النظام الدولي خارج المؤسسات التقليدية بشكل يسمح له بإتخاذ القرار منفردا بعيدا عن فيتو الدول الكبرى في مجلس الأمن. وهو ما جعل دافوس ينحاز نحو تبرير القوة بدلًا من الحوار والبحث عن حلول.

وعلى الجانب الآخر بدت أوروبا كمن يدرك حجم الخطر لكنه لا يملك أدوات مواجهته. فقد جاء خطاب الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" محملا بقلق أوروبي واضح؛ حيث حذر من عالم يتحول نحو قانون الأقوى، ومن تآكل الشرعية الدولية، ومن هشاشة الديموقراطيات أمام موجات الشعبوية. لكنه لم يترجم هذا الوعي إلى رؤية، و هو مايعكس أزمة أعمق و هي أن أوروبا لم تعد لاعبا يصنع التوازن، بل طرفا يحاول النجاة من إنهيار النظام الذي ساهمت في بنائه. 

ثم نأتي إلى مداخلة رئيس الوزراء الكندي "مارك كارني" الذي قدم واحدة من أكثر المداخلات عمقا حين قال إن العالم يعيش قطيعة لا انتقالًا، وإن النظام القديم لن يعود. واستطرد قائلا أننا لا نعيش مرحلة إصلاح، بل مرحلة إعادة تشكيل كاملة.    وإذا لم نكن على طاولة المفاوضات والقرار، سنكون حتما في قائمة الطعام.  لكنه لم يقدم هو الآخر أي مسار عملي للتعامل مع هذه الأوضاع. وهكذا، بدت الكلمات أكبر من الأفعال، والرؤى أوسع من قدرة منتدى دافوس على تحويلها إلى سياسات. أما الهند، فلم تأت لتشارك في النقاش، بل لتوقع وتبني وتتمدد عبر سلسلة من الإتفاقيات والإستثمارات التي تجاوزت 100 مليار دولار. فبدت نيودلهي أكثر استعدادًا من غيرها لملء الفراغ في عالم يتفكك فيه النظام التقليدي. 

فالقوى الصاعدة لم تعد تنتظر إعترافا غربيا، بل تصنع موقعها بنفسها.  وحتى فيما يخص الذكاء الاصطناعي، كشف النقاش عن توتر بين الوعود الضخمة والمخاطر الكامنة.  فقد وصفه "ريتشارد كويست" بأنه ثورة لكنه أيضا فقاعة عقلانية ستنفجر يوما ما.  و رغم كثافة النقاش، لم يخرج المنتدى بإطار عالمي واضح لتنظيم الذكاء الإصطناعي.

 

ختاما، فبـالرغم من محاولات منتدى دافوس التأكيد على روح الحوار، بدا المنتدى عاجزا عن جمع العالم حول رؤية مشتركة. فكل دولة تتحدث بلغتها، وكل شركة تدافع عن مصالحها، والنتيجة ضجيج بلا رؤية. وهو ما جعل دافوس 2026 يبدو كمرآة للفوضى العالمية، لا كأداة لمعالجتها. وليكشف عن حقيقة مؤلمة وهي أن العالم يدخل مرحلة جديدة من الصراعات والتحولات بينما المنتدى لا يزال أسيرا لخطابات الزعماء ومصالح الشركات الكبرى. 

 
 
 

Comments


Search By Tags
Who Am I?

Dr. Amr Kais is a participating faculty at the AUC, a designated lecturer of various institutions, a Certified Management Consultant & Coach, also the founder and MD of Ipsos Egypt which is now the largest research company in Egypt and Middle East.

Other Posts
More on the web
Follow Me
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© 2016 Amr Kais

bottom of page