top of page

الصافرة والفساد

Dec 21, 2025
2 min read

لعلنا نتذكر ذلك المشهد التقليدي في أفلامنا القديمة لعسكري الدرك الذي كان يطلق صافرته كلما رأى لصا لينبه الناس لوجود هذا اللص، كي يتعاون معه المارة في الإمساك به. أما الآن ومع التكلفة السنوية الباهظة للفساد والتي قدرت بـ2,6 تريليون دولار سنويا وفق بيانات البنك الدولي فلم تعد صافرة هذا العسكري المسكين كافية على الإطلاق. بل بات لزاما أن يكون كل منا متحفزا بـصافرته ليطلقها كلما نما إلى علمه أي واقعة فساد، سواء داخل المؤسسة التي يعمل فيها أو خارجها.  ومن هذا المنطلق تسابقت الكثير من الدول في سن القوانين والتشريعات التي تعرف باسم “whistle blower protection” بهدف توفير الحماية لمطلقي الصافرة المبلغين عن مخالفات ووقائع فساد وتشجيعهم على ذلك. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أصدر الإتحاد الأوروبي أواخر عام 2019 قانونا أطلق عليه "حماية مطلقي الصافرة" يلزم أي شركة تعمل في نطاق الإتحاد الأوروبي ويزيد عدد العاملين بها على 50 موظفا بإتخاذ كافة الإجراءات للتوافق مع هذا القانون الذي طبق بدءً من عام 2021.  يقضي هذا القانون بـتوفير داخل كل شركة أو مؤسسة عامة أو خاصة جميع الطرق التي تمكن أي موظف حالي أو سابق أو متقدم للوظيفة أو متدرب من تقديم شكوى لكشف أي ممارسات فساد أو مخالفات.   ويكون من حق العامل أن يحدد جهة تقديم الشكوى سواء للشركة أو للسلطات الرسمية. وفي حالة اليأس من الوصول إلى نتيجة، فمن حقه اللجوء إلى الإعلام، على أن توفر له السلطات الرسمية وأنظمة الشركة الحماية من الانتقام، والرد على شكواه خلال سبعة أيام. كما أقرت قمة مجموعة العشرين في بيانها الصادر عام 2019 أن حماية "مطلقي الصافرات" هي أولوية للمجموعة، وجزء أساسي من التأكيد على مبادئ الحوكمة ومكافحة الفساد.  بل وأصبح العالم يحتفل كل عام في 23 يونيو باليوم العالمي لحماية حقوق مطلقي الصافرات.

تهدف مثل هذه القوانين إلى نشر ثقافة عدم السلبية في ظل انتشار ثقافة معاكسة لها؛ حيث ينظر المجتمع في كثير من الأحيان إلى من يطلق صافرة الإنذار على أنه شخص خائن لشركته لأنه كشف أسرارها. وهو ما ُيشعر الموظف بالحرج والتردد إذا وجد نفسه في أحد هذه المواقف الصعبة، خاصة مع عدم وجود قوانين تحمي من يطلق صافرة الإنذار.  لذا، فإن ما يحدث في الغالب هو التستر على المخالفات والتجاوزات لأخلاقيات العمل بدلاً من كشفها ليتحول إلى شيطان أخرس.   وفي المقابل، تهدف تلك القوانين إلى الموازنة بين تشجيع الموظف على كشف فساد مؤسسته إن وجد من جهة، وبين عدم توفير الحماية لأصحاب البلاغات الكيدية من المغرضين وأصحاب الخصومات من الباحثين عن الانتقام أو الشهرة والمال من جهة أخرى.            أما عن أهمية وجود تلك الآلية، فيكفي أن نعلم بأن أغلب وقائع الفساد العالمية الكبرى التي عايشناها قد تم كشفها بواسطتها بدءً من "واتر جيت" و "انرون" مرورا "بـفايزر" و “BP” وانتهاء "بـأوبـر" و " تسلا" والعديد والعديد من الحالات التي قدرت فاتورة الفساد فيها بمليارات المليارات.

لا شك أن وجود مثل هذه التشريعات في مصر وتفعيلها سيكون من شأنه الإسهام بشكل كبير في كشف الفساد ومحاربته.  كما سيسهم في تحسن كبير لمركز مصر ال 130 ضمن ال 180 دولة التي يشملها مؤشر الفساد العالمي. بينما تشهد سنغافورة التي تحتل المرتبة الثالثة في ذات المؤشر حاليا حدثا قلب الدنيا ولم يقعدها، وهو إنعقاد أول محاكمة منذ خمسون عاما لمسئول حكومي بتهمة تلقي هدايا!!

 
 
 

Comments


Search By Tags
Who Am I?

Dr. Amr Kais is a participating faculty at the AUC, a designated lecturer of various institutions, a Certified Management Consultant & Coach, also the founder and MD of Ipsos Egypt which is now the largest research company in Egypt and Middle East.

Other Posts
More on the web
Follow Me
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© 2016 Amr Kais

bottom of page