top of page

الإحتراق الوظيفي

11 minutes ago
3 min read

يحل علينا في الأسبوع القادم اليوم العالمي للصحة النفسية ليذكرنا بأن الضغوط التي نحملها معنا إلى العمل ليست مجرد تفاصيل يومية، بل قضية عالمية تتزايد حدتها وتؤثر على جودة حياتنا وإنتاجيتنا وقدرتنا على اتخاذ القرار.  وفي مصر، كما في معظم دول العالم أو ربما أكثر، أصبح الإحتراق الوظيفي في بيئة العمل ظاهرة تستحق التوقف أمامها، ليس فقط لتأثيرها على الأفراد، بل لأنها تمس مستقبل المؤسسات وإقتصاد البلاد. وهو ما أكده التقرير الأخير لمؤسسة "جارتنر" الصادر هذا العام. فقد أوضح بأن 57% من الموظفين في مصر يعانون من الضغوط والاحتراق الوظيفي، مقابل 48% من الموظفين في الشرق الأوسط و40% من الموظفين على مستوى العالم. وبذلك، لم يعد الاحتراق الوظيفي مصطلح إنشائي أو حالة عابرة، بل صار حالة نفسية ومهنية معقدة لها ثلاثة أعراض رئيسية: الإجهاد المزمن، الانسحاب العاطفي، وتراجع الشعور بالإنجاز. وعندما تتراكم هذه العناصر، يتحول مقر العمل، مهما بدا أنيقا أو فخما إلى مساحة ضغط مستمر تنهك الإنسان داخليا دون أن تترك أثرا ظاهرا.

لقد شهدت السنوات الأخيرة تغيرا جذريا في بيئة العمل. فالتكنولوجيا التي كان يفترض أن تخفف من الأعباء، أصبحت في كثير من الأحيان مصدرا إضافيا للضغط. فالبريد الإلكتروني لا يهدأ، و الاجتماعات الإفتراضية تتضاعف، والمهام تتسارع بوتيرة تفوق قدرة الإنسان على التحمل. وفي مصر، تتفاقم هذه الظاهرة بفعل عوامل إضافية مثل ثقافة العمل الممتدة التي تربط الإنجاز بعدد الساعات لا بجودة المخرجات. علاوة على الضغوط الاقتصادية التي تجعل الموظف أكثر حساسية لأي تغيير في الدخل أو الاستقرار والتنافسية العالية داخل المؤسسات، خاصة في القطاعات المالية والتكنولوجية والإعلامية وغياب الدعم النفسي المؤسسي في معظم أماكن العمل، رغم ارتفاع الوعي العالمي بأهمية الصحة النفسية. هذه العوامل مجتمعة تجعل الموظف يعيش في حالة قلق دائم، وكأن يومه المهني سباق لا ينتهي.

ولا يحدث الإحتراق الوظيفي فجأة، بل يتسلل تدريجيا. فيبدأ بإرهاق بسيط، ثم يتحول إلى فقدان الحماس، ثم إلى شعور بأن المهام اليومية أصبحت أثقل من قدرة الإنسان على حملها. فمن أبرز العلامات التي تظهر على الموظفين فقدان الطاقة حتى في بداية اليوم وتراجع القدرة على التركيز والحساسية الزائدة تجاه التفاصيل الصغيرة والشعور بأن الجهد المبذول لا ينعكس على التقدير والإنسحاب العاطفي من الفريق أو المؤسسة والتفكير المتكرر في ترك العمل. و لا تعد هذه العلامات ضعفا شخصيا، بل نتيجة طبيعية لضغوط مستمرة لا تجد متنفسا. تظن بعض المؤسسات مع الأسف أن الاحتراق الوظيفي مشكلة فردية، لكنه واقعيا خسارة مؤسسية بإمتياز. فالموظف المحترق نفسيا يصبح أقل إنتاجا، أقل قدرة على الابتكار، وأكثر عرضة لإرتكاب الأخطاء. كما ترتفع إحتمالات غيابه، أو بحثه عن فرصة أخرى، ما يضع المؤسسة في حالة إعادة توظيف وتدريب مستمرة.

ولا يعد الاحتراق الوظيفي قدرا محتوما بقدر ما هو مرض يمكن الوقاية منه عن طريق إعادة تصميم بيئة العمل؛ بحيث تركز على النتائج لا على عدد الساعات. كما يمكن توفير مرونة زمنية تسمح للموظف بإدارة يومه دون ضغط غير ضروري، وتقليل الإجتماعات غير الفعالة التي تستنزف الوقت والطاقة. ويحبذا لو صارت القيادات مدربة على إكتشاف علامات الإحتراق والتعامل معها بذكاء، وتقديم دعم نفسي مهني عبر جلسات أو منصات متخصصة، وتعزيز ثقافة التقدير التي تمنح الموظف شعورا بأن جهده مرئي ومقدر. و لا تعد هذه الإجراءات رفاهية بقدر ما تعد إستثمارا في رأس المال البشري.

ختاما، و مع حلول اليوم العالمي للصحة النفسية، حري بنا أن نذكر أنفسنا أن بيئة العمل مساحة يعيش فيها الإنسان جزء كبير من حياته. وبالتالي، فإن لم تكن هذه المساحة صحية فأثرها يمتد إلى البيت، والأسرة، والعلاقات الاجتماعية. فالاحتراق الوظيفي ليس علامة ضعف بقدر ما هو إشارة تحول بيئة العمل إلى عبء نفسي صامت له تبعاته على الفرد والمؤسسة والمجتمع بأسره.

 
 
 

Comments


Search By Tags
Who Am I?

Dr. Amr Kais is a participating faculty at the AUC, a designated lecturer of various institutions, a Certified Management Consultant & Coach, also the founder and MD of Ipsos Egypt which is now the largest research company in Egypt and Middle East.

Other Posts
More on the web
Follow Me
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© 2016 Amr Kais

bottom of page