top of page

الصناعة الغائبة

2 hours ago
2 min read

في مثل هذا الوقت من كل عام ومع حلول موسم المهرجانات السينمائية في مصر ينشط الحديث عن السينما، لكن ليس عنها كصناعة أو كقوة ناعمة أو كرافد إقتصادي، بل عن السجادة الحمراء، الأزياء، الإطلالات، والإحتفالات الصاخبة.  يتكرر المشهد نفسه في مهرجان الجونة والقاهرة وغيرهما، بينما تغيب الأسئلة الجوهرية: أين تقف صناعة السينما المصرية اليوم؟ ولماذا تبتعد المهرجانات عن دورها الحقيقي في دعم تلك الصناعة؟

هذا العام، لم يكن الجدل حول مهرجان الجونة مجرد نقاش عابر، بل تحول إلى إنتقاد واسع من صحافة عربية ودولية و لم يقتصر فقط على إنتقاد "ماما نجوى" الذي كان في محله. فقد أشار تقرير MovieBreak  إلى أن المهرجان بدى وكأنه “احتفال محاط بالرفاهية”، بينما يعاني صانعو الأفلام الحقيقيون من صعوبات في الوصول إلى المهرجان.  أما Variety، فرغم إشادتها ببعض الأفلام الفائزة مثل “Safe Exit” و“Citizen Osama”، فإنها ركزت على أن هناك فجوة واضحة بين ما يعرض على الشاشات وما يناقش خلف الكواليس عن التحديات التي تواجه صناعة السينما.  وفي تقرير The Brief، جاء النقد أكثر مباشرة: مصر تمتلك عناصر صناعة سينمائية، لكنها تفتقر إلى النصوص الجيدة، وإلى الوقت الكافي للتطوير والكتابة.  أتصور أن كل تلك الانتقادات ليست مجرد انتقادات عابرة بقدر ما هي مرآة تعكس واقع صناعة عالمية تتقدم وصناعة محلية تتراجع. فعندما نتأمل حجم صناعة السينما عالميا ندرك حجم الفجوة. فقد تخطت إيرادات السينما العالمية حاجز ال300 مليار دولار، ويتوقع أن تصل إلى 535 مليار دولار بحلول عام 2033. ووفقا لبيانات WIPO وOmdia، بلغ عدد الأفلام المنتجة عالميا 9,628  فيلما عام 2024 ، وهو أعلى رقم في التاريخ.  فيما بلغت إيرادات شباك التذاكر العالمي 30.6  مليار دولار في 2024، ووصلت إلى 33  مليار دولار في 2025.   وفي المقابل، نرى دولا مثل الهند والصين ونيجيريا تتقدم بخطى ثابتة. فنيجيريا وحدها صنعت 1,185  فيلم عام 2025. وهو رقم يعكس نشاطا إنتاجيا ضخما مقارنة بمصر، التي انتجت 32  فيلم فقط عام 2025 . و هو ما يجعلنا بعيدين جدا عن مستويات المنافسة الإقليمية والدولية، بل وحتى عن إنتاج مصر في الأربعينيات الذي كان يتجاوز60  فيلما سنويا.  والأمر لا يتعلق بالأرقام فقط، بل بالقدرة على خلق فرص عمل، وتطوير المواهب، وتصدير الثقافة، وصناعة محتوى قادر على المنافسة عالميا. كما ان تدهور صناعة السينما المصرية لا يعني فقط تراجعا اقتصاديا، بل يعني فقدان جزء من القوة الناعمة التي طالما ميزت مصر. فالسينما كانت يوما ما صوتا للشارع ونافذة للعالم ومرآة للمجتمع. أما اليوم، فإن غيابها ينعكس في تراجع الذوق العام، وفي فقدان القدرة على التأثير الثقافي، وفي انكماش الدور الإقليمي لمصر.

بناء على ما سبق، يفترض ألا تكون المهرجانات السينمائية حفلات أزياء، بل منصات لتقديم رؤية واضحة لدور السينما في الإقتصاد والثقافة ولصناعة الأفلام، ولتطوير المواهب، ولجذب الإستثمارات، ولتقديم أعمال قادرة على المنافسة .  لكن ما يحدث اليوم هو العكس تماما؛ حيث نجد تغطية إعلامية تركز على الإطلالات أكثر من الأفلام، و نجوم يتصدرون المشهد دون مشاريع سينمائية حقيقية. كما أن هناك غياب شبه كامل للنقاش حول مستقبل الصناعة، وتجاهل للأزمات الحقيقية مثل ضعف النصوص، غياب التمويل، نقص التدريب، وانفصال المهرجانات عن واقع السينمائيين الشباب. 

إن الانتقادات الموجهة لمهرجان الجونة والنجوم المصريين ليست هجوما على الفن، بل دعوة لإعادة ترتيب الأولويات. فليس بالأزياء والإحتفالات تنهض السينما المصرية، بل بالنصوص والمواهب والعمل الجاد والقدرة على إنتاج أفلام تعيش في ذاكرة الناس، لا على صفحات مواقع التواصل. فلا يصح أن تكون اضواء المهرجانات حاضرة وصناعة السينما غائبة.

 
 
 

Comments


Search By Tags
Who Am I?

Dr. Amr Kais is a participating faculty at the AUC, a designated lecturer of various institutions, a Certified Management Consultant & Coach, also the founder and MD of Ipsos Egypt which is now the largest research company in Egypt and Middle East.

Other Posts
More on the web
Follow Me
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© 2016 Amr Kais

bottom of page