الواقعة الكاشفة

تعد واقعة اكتشاف الكثير من عملاء شركات المحمول في مصر وجود خطوط مسجلة بأسمائهم و ارتباط بعضها بمحافظ ماليه دون علمهم كاشفه بامتياز عن كفاءة أنظمة الحوكمة والرقابة على مستوى إدارات تلك الشركات والأجهزة المنوط بها الرقابة عليها على حد سواء. فرغم تشدق شركات المحمول في مصر باضطلاعها بمسئوليتها الاجتماعية بتبرعها بالملايين لمشروعات خيرية وتنموية، لم تدرك مع الأسف – وهي تتباهى بالجوائز التي حصدتها فيما يخص خدمة المجال العام - أن ُجل مسئوليتها يكمن في اتخاذ ما يلزم من تدابير لحماية عملائها وبيانتهم الشخصية من مثل هذا الانتهاك الذي يعرضهم لعواقب وخيمة.أما فيما يخص الأجهزة الرقابية، فضرورة استجلاء الأمر لا يقتصر في رأيي على الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، بل الأحرى أن يمتد ليشمل جهاز حماية المستهلك، لأن ما حدث يعد انتهاكا خطيرا لمستهلكي تلك الشركات. كما تقع مسئولية على جهاز حماية المنافسة ومنع المنافسات الاحتكارية، لما يمكن أن تقوم به هذه الشركات من ممارسات احتكارية قد تضر بمستهلكيها دون علمهم. وفي هذا السياق، نتذكر كيف شهدت السنوات القليلة الماضية على مستوى العالم وحتى الآن تغريم شركات مثل "جوجل"، التي وقع عليها الإتحاد الأوروبي إجمالي غرامات تتجاوز 8 مليار يورو. ناهيك عن العقوبات الموقعة عليها من دول أخرى مثل الهند والصين. كما وقعت هيئة حماية البيانات في إيرلندا غرامة قدرها 400 مليون دولار على تطبيق "إنستاجرام" لعدم إتخاذ القائمين عليه الإجراءات الكافية لحماية بيانات مستخدميه من الأطفال من سن 13 إلى سن 17 بما يجعل بياناتهم متاحة للعامة دون علمهم. كما وقع الإتحاد الأوروبي غرامة قدرها 877 مليون دولار على شركة "أمازون" بسبب عدم توضيحها بأن قبول ملفات الارتباط “cookies” يمكنها من الحصول على البيانات الشخصية للمستخدمين. و تطول قائمة العقوبات لتشمل "واتس اب" بـ255 مليون دولار، و" فيس بوك ب" 68 مليون دولار و"جوجل" 102 مليون دولار. وبالمثل، تم توقيع عقوبات على شركات "أبل" و "أمازون" و "ميتا" المالكة لتطبيق "فيس بوك" من العديد من الدول بسبب الممارسات الاحتكارية. وهو ما يبعث على التساؤل حول سبب قيام تلك الشركات بـممارسات احتكاريه في كل تلك الدول وامتناعها عن تلك الممارسات في مصر؟!! أم أنها تقوم بها دون محاسبه؟ وهناك تساؤل آخر عن عدد ونوع الدراسات التي تتم حول تلك الشركات وغيرها للتأكد من عدم قيامها بأي ممارسات وبعيدا عن شركات التكنولوجيا نجد غرامات قد وقعت على شركات في كل المجالات مثل شركة "H&M" في مجال مبيعات التجزئة لاستخدامها بيانات شخصية خاصة بالعاملين في تقييمهم السنوي دون علمهم. كما وقعت غرامات مماثلة على الخطوط الجوية البريطانية وشركة فنادق "ماريوت" لعدم اتخاذهم الإجراءات الكافية لحماية بيانات عملائهم من الاختراق. ووقعت كذلك غرامات على شركة " ڤودافون" لتعاقدها مع مراكز اتصال للاتصال بعملائها نيابة عنها دون الحصول على موافقة من عملائها، وشركة "إيني" للغاز لإجرائها مكالمات تليفونية تسويقية لعملائها دون الحصول على موافقة منهم على تلقي تلك النوعية من المكالمات. وحتى البريد النمساوي لم يسلم من الغرامات لنفس السبب.
وقد كشفت كل تلك الوقائع عن قصور في الأجهزة التنفيذية والرقابية لتلك الشركات والدول لأن دورها لا ينحصر في اكتشاف الأخطاء وتوقيع الغرامات، بل أيضا وجوهريا في منع مثل هذه الأخطاء من الحدوث. وهو الأمر الذي لا يعد عيبا طالما أن تلك الأجهزة تعترف بوجود أخطاء، وتتعلم منها لتطور أساليب عملها. فهل نتعلم من تلك الواقعة الكاشفة على المستويين التنفيذي والرقابي، أم نطويها وراء ظهورنا وكأن شيئا لم يكن؟





Comments