استنفار الابتكار
- 1 day ago
- 2 min read

منذ آلاف السنين وحتى الآن، بقيت الحيوانات تعيش في الغابات دون أن يطرأ عليها أي تطور، بينما تطور الإنسان من الإختباء في الكهوف إبان العصر الحجري إلى غزو الفضاء في العصر الحديث. ويعزي العلماء هذا التطور إلى الخاصية الرئيسية التي تميز العقل البشري عن عقل الحيوان وهي الإبتكار. فالإبتكار هو القدرة على رؤية عالم لم يأتِ بعد، وأشياء لم توجد بعد، والعمل على تحويلها إلى واقع. ولا يعني ذلك أن الإبتكار يرتبط فقط بالإكتشافات والإختراعات الكبرى، بل يمتد ليشمل كافة مناحي الحياة. فتوافر القدرة على الإبتكار كان شرطًا لنبوغ "أينشتاين" و"بيكاسو" على حد سواء رغم تباين مجال إبداعهما. وقد حظي موضوع قدرة العقل البشري على الإبتكار بنصيب الأسد من الدراسات والأبحاث العلمية على مدار سنوات نظرا لأهميته الكبرى السابق ذكرها، وأيضا لقيمته الإقتصادية. فوفقا لتقديرات حديثة، تجاوزت قيمة مبيعات المنتجات التي يعد الابتكار مكونا أساسيا فيها 900 مليار دولار في عام 2024، ناهيك عن القيمة السوقية للشركات القائمة على قدرة أصحابها الابتكارية في خلق سلع وخدمات لم يعرفها أو يطلبها المستهلك بعد، لكنها تصبح لا غنى عنها عند طرحها.
أما اليوم، فقد تحول الإهتمام بالإبتكار إلى معركة من أجل البقاء في ضوء التسارع الهائل في إحلال الذكاء الإصطناعي كبديل للإنسان في كثير من الوظائف، وهو تسارع تضاعف بعد جائحة كورونا ثم قفز قفزة غير مسبوقة مع إنتشار نماذج الذكاء الإصطناعي التوليدي منذ عام 2023 وحتى الآن. فقد ثبت أن الإبتكار هو القدرة العقلية الوحيدة التي لا يمكن إحلالها بخوارزميات، لتبقى في مأمن من هذا الإحلال. وقد أدى ذلك إلى إعادة تشكيل سوق العمل ليصبح متمحورا حول الابتكار بدلا من الإنتاجية التي يتكفل بها الذكاء الاصطناعي. ففي تحليل حديث لأكثر من 4.8 مليون طلب توظيف في 2025 عبر 32 مجالا مختلفا، وجد أن الإبتكار هو القاسم المشترك بين متطلبات شغل أكثر من 65% من هذه الوظائف. لذا، لم يكن مستغربا أن يحتل الابتكار قمة المهارات التي ركز عليها المنتدى الاقتصادي العالمي في تقريره الأخير حول مستقبل الوظائف لعام 2026، والذي صنف الإبتكار والتفكير الإبداعي كأهم مهارتين للبقاء في سوق العمل خلال السنوات الخمس المقبلة. كما لم يكن مستغربا أيضا أن تخصص الأمم المتحدة يوم 21 أبريل من كل عام ليكون "اليوم العالمي للإبتكار" لنشر الوعي بأهميته.
وقد أسهمت الأبحاث الغزيرة في إلقاء الضوء على أساليب تنمية القدرات العقلية للإبتكار، والتي تسابقت الكثير من الدول في تطبيقها في مراحل التعليم المختلفة، وكذلك في إعادة تدريب العاملين في المجالات المختلفة لإنقاذهم من خطر البطالة. خاصة أن تلك الأبحاث أثبتت أيضا عدم صحة فرضية توهج القدرة على الابتكار فقط في السن الصغير. فقد تبين وجود ذروتين لتوهج القدرة على الإبتكار؛ الأولى في منتصف العشرينات من العمر ويطلق عليها الابتكار التصوري “Conceptual creativity”، وهو الابتكار الذي يقلب الطاولة ويتحدى الأعراف والأساليب السائدة والمتعارف عليها. ومثال على ذلك "أينشتاين" و"بيكاسو" و"توماس إليوت" وغيرهم ممن توهجت قدراتهم الإبتكارية في العشرينات من العمر. أما الذروة الثانية فهي منتصف الخمسينات ويطلق عليها الإبتكار التجريبي “Experimental creativity”. وهو الإبتكار المبني على إستيعاب الخبرات والنظريات السابقة بما لها وما عليها و استحداث أساليب ورؤى مختلفة. ولعل "جوجان" الذي رسم أول لوحاته في الأربعينات خير مثال على ذلك. وبالمثل، ألف العالم "داروين" كتابه الشهير الذي غير مسار علم الأحياء والفكر العلمي بالكامل”On the Origin of Species “ بعد تخطيه سن الخمسين.
نستخلص مما سبق أن الله قد أنعم علينا بالعقل القادر على الإبتكار والإبداع لآخر رمق في عمرنا، و علينا أن نقدر هذه النعمة بشحذها وتنميتها بدلا من تركها للتيبس والضمور.





Comments