top of page

استثمار لا استبدال

  • 2 days ago
  • 2 min read

لا تزال الصورة الذهنية السائدة لدى قطاع كبير من الشركات التي تتسابق في تبني الذكاء الإصطناعي تنحصر في إستخدام تلك التكنولوجيا لتقليص العمالة، ومن ثم تخفيض المصاريف. وهو الأمر الذي يؤدي إلى تخوف العاملين في هذه الشركات من تلك التكنولوجيا ومقاومتهم لخطط إستخدامها في تلك الشركات. الأمر الذي يؤدي بالتبعية إلى فقدان الدول التي تعتمد في تنافسيتها على إنخفاض تكلفة العماله لديها مثل مصر لأهم ميزه تنافسيه لديها.  وفي الواقع تفتقد تلك الصورة الذهنية للكثير من العمق وبعد النظر. ولعل ما قامت به شركة "IKEA" يقدم نموذجا مختلفا تماما عن تلك الصورة النمطية السائدة. فهو يقدم نموذجا ناضجا إنسانيا وعمليا لكيفية بناء علاقة صحية بين الإنسان والآلة. علاقة لا تقصي البشر بل تعيد اكتشاف قيمتهم.

ففي عام 2021 أطلقت مجموعة "Ingka" أكبر مشغل لمتاجر IKEA حول العالم روبوت المحادثة الذكي "Billie" للتعامل مع الأسئلة الروتينية التي تستهلك وقتا ولا تضيف قيمة بشرية حقيقية، مثل تتبع الطلبات، معالجة المرتجعات، التحقق من توافر المنتجات، أو إعادة جدولة عمليات التسليم. و خلال عامين فقط استطاع " Billie" أن يعالج بنجاح 47%  من إجمالي استفسارات العملاء، أي ما يقارب   3.2  مليون تفاعل، محققا وفرة تشغيلية بلغت 13 مليون يورو. لكن من هنا تبدأ القصة الحقيقية؛ فبدلا من أن تقرر الإدارة تخفيض عدد الموظفين، إختارت "IKEA"  أن تسأل سؤالاً أكثر نضجاً "ما الذي لا يستطيع "Billie" فعله؟"  فعند تحليل الـ 53% المتبقية من المكالمات، اكتشفت "IKEA" أن العملاء لا يريدون إجابات ميكانيكية فقط. فقد كانوا يسألون أسئلة تتطلب حسا إنسانيا مثل "كيف أستغل هذا الركن الضيق؟" "ما هي الطاولة المناسبة لميزانيتي ولأسلوب بيتي؟" كيف أرتب غرفة صغيرة لطفلين؟" هذه الأسئلة ليست بيانات، بل ذوق و خيال و إحساس، وفهم للسياق المعيشي. فالعملاء لا يريدون معلومات، بل يريدون مشورة وتصميما وتخيلا. هذه المهارات لا يمكن للذكاء الإصطناعي أن ينتجها وحده. ولا يمكن لروبوت محادثة أن يمتلكها مهما تطور. هنا أدركت IKEA  أن لديها فرصة ذهبية بدلا من تسريح الموظفين، فهمت بإطلاق برنامج واسع لإعادة تأهيل 8,500 موظف خدمة عملاء. هؤلاء الأشخاص يمتلكون معرفة عميقة بكتالوج " IKEA"، لكنهم لم يحصلوا يوماً على فرصة لتحويل هذه المعرفة إلى خدمة استشارية. فتم تدريبهم على تصميم الغرف ثلاثية الأبعاد، واستخدام أدوات تصميم مدعومة بالذكاء الاصطناعي لإنتاج مخططات فورية، والتواصل عبر الفيديو. كما تم إضافة خدمة جديدة لعملاء الشركة بالاستعانة بهؤلاء الموظفين، وهي خدمة التصميم عن بعد بأسعار تبدأ من 25 وتصل إلى 125 يورو وأكثر. وقد حققت تلك الخدمة في عامها الأول 1,3 مليار يورو من الإيرادات، بنسبة 3.3%  من إجمالي مبيعات IKEA.وتطمح الشركة إلى رفع هذه النسبة إلى 10% بحلول عام 2028. لكن الأهم من الأرقام هو التحول الثقافي للموظفين الذين إنتقلوا من وظائف روتينية إلى أدوار إبداعية أعلى قيمة، وتحول الذكاء الإصطناعي من أداة تستبدل الإنسان إلى أداة ترفع من قيمته.

هذا هو التحول الحقيقي الذي يمكن أن يفتح أبوابا جديدة للنمو ويعيد تشكيل سوق العمل، ويمنح الإقتصاد المصري فرصة لإلتقاط أنفاسه في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة. ففي مصر، لدينا قاعدة بشرية ضخمة في قطاعات التجزئة والخدمات، يمكن أن تتحول إلى قوة إنتاجية جديدة إذا تم الإستثمار في  التدريب الرقمي و أدوات الذكاء الإصطناعي التوليدي و مهارات التواصل عبر الفيديو و مهارات الإستشارات والتصميم والتحليل. فإذا أراد الإقتصاد المصري أن يستفيد من هذه الثورة، عليه أن ينتقل من عقلية تخفيض التكلفة بإستخدام الذكاء الإصطناعي إلى عقلية رفع قيمة الإنسان إلى مستوى أعلى من القيمة والإبداع، وتحريره من المهام منخفضة القيمة، كي يقوم بـأدوار أعلى إنتاجية وقيمة.


 

 
 
 

Comments


Search By Tags
Who Am I?

Dr. Amr Kais is a participating faculty at the AUC, a designated lecturer of various institutions, a Certified Management Consultant & Coach, also the founder and MD of Ipsos Egypt which is now the largest research company in Egypt and Middle East.

Other Posts
More on the web
Follow Me
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© 2016 Amr Kais

bottom of page