top of page

الحقيقة الدامغة

  • 23 hours ago
  • 2 min read

تداولت منصات التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي على نطاق واسع صور لأشخاص قاموا بتخريب منطقة المشجعين في العاصمة الإدارية احتفالا بفوز مصر على نيوزلندا!!! وهي المنطقة التي تم تجهيزها لإجتذاب المواطنين للعاصمة الإدارية للإحتفاء بواجهة مصر الحضارية الجديدة. حدث ذلك في الوقت الذي شهدنا فيه مشجعي اليابان ينظفون مدرجات استاد دولة أخرى قبيل انصرافهم منه!!  وفي مشهد مماثل شهدنا منذ وقت قريب إبان إفتتاح المتحف المصري الكبير العديد من التصرفات العبثية والتخريبية من قبل بعض رواده. وهو الصرح العظيم الذي يفترض أنه يبرز إعتزازنا وتقديرنا للحضارة المصرية القديمه بعظمتها وشموخها.  و للأسف مازلنا نشهد أحيانا تخريب متعمد لمرافق السكك الحديدية بعد تجديدها. الأمر الذي استدعى من القائمين عليها القيام بحملة إعلامية مكثفة تكلفت الملايين لحث المواطنين على التوقف عن هذا التخريب.  ولعل كل ما سبق يؤكد الحقيقة الدامغة التي نصر دوما على إنكارها، وهي أننا مهما إستثمرنا في بنى أساسية سنستمر في دفع الفاتورة الباهظة للجهل.  فجزء لا بأس به من مواطنينا يمثل اليوم عبئاً على الدولة، لا لذنب اقترفوه ولكن لأن الاستثمار في تعليمهم وتثقيفهم لم يكن أولوية لسنوات طويلة. والحقيقة أن هذا العبء ليس اقتصادياً فحسب، بل حضارياً أيضاً.   فحين يعجز المواطن عن إيجاد فرصة عمل توفر له متطلبات الحياة الكريمة بسبب ضعف تأهيله، يصبح معتمداً على الدعم الحكومي، سواء في صورة بطاقات تموين أو إعانات مباشرة أو غير مباشرة. هذا الإعتماد لا يرهق فقط موازنة الدولة، بل يخلق ثقافة إتكالية تقتل روح المبادرة وتضعف الإنتاجية. ولا تتوقف المشكلة عند الإقتصاد فقط   فالجهل ينتج سلوك اجتماعي مدمر ونمط حياة غير صحي يرفع من فاتورة العلاج في المستشفيات العامة.  أضف إلى ذلك الخسائر البشرية والمادية التي نتكبدها بسبب الحوادث المرورية الناتجة عن غياب الوعي والثقافة المرورية، وصولا إلى السلوكيات العبثية مثل رشق القطارات الجديدة بالحجارة، أو التخريب في المتحف المصري الكبير وفي العاصمة الإدارية. وهو ما يعكس فجوة هائلة بين ما نطمح إليه حضاريا، وما نراه على أرض الواقع.

ولا تعد تلك المظاهر من صنع القدر بقدر ما هي نتيجة مباشرة لسنوات من التهميش التعليمي والثقافي، وغياب رؤية بناء الإنسان.              فحين يختزل التعليم في شهادة ورقية، دون ثقافة ومهارات حقيقية، يصبح الخريج عاطلاً محبطا، يحمل عبء شهادته على كتفيه بدلا من أن تكون جواز عبوره إلى سوق العمل. ولعل الدليل الحي على ما يمكن أن يفعله التعليم حين يصبح اولوية المصريون في الخارج. فهذه الفئة التي َتلقى المنتمون إليها تعليماً جيدا وطوروا أنفسهم بجهد شخصي، يرسلون اليوم تحويلات قياسية تعد من أهم مصادر النقد الأجنبي للإقتصاد المصري. هؤلاء ليسوا عبئاً، بل أصولاً وطنية منتجة تسهم في دعم الاقتصاد دون أن يكلفوا الدولة شيئاً.  فالتعليم والثقافة يحيلا المواطن من مستهلك إلى منتج للقيمة، من عبء على الموازنة إلى مساهم في الناتج المحلي، من مصدر للخجل إلى مصدر للفخر. لكن هذا لن يتحقق إلا إذا تغيرت نظرتنا للتعليم والثقافة، من كونهما عبئاً مالياً على الدولة إلى اعتبارهما استثمارا طويل الأجل في رأس المال البشري.   فنحن حقا بحاجة إلى تعليم يشكلان فكرا وسلوكا حضاريا.. وبحاجة لبديل عن ثقافة التيك توك والمخدرات والبلطجة والتواكل والعشوائية.

يبدأ التحول المنشود من تغيير نظرتنا للتعليم والثقافة لنراها كأولوية وطنية  لا غنى عنها لا كتكلفة قابلة للتقليص في الموازنة. فالاستثمار في الإنسان هو الطريق الوحيد للتنمية الحقيقية.  وكل جنيه ينفق على التعليم والثقافة، هو إستثمار في أمننا، وإقتصادنا، ومستقبل أولادنا. عندها فقط ستتوافر الإمكانيات، فالمشكلة في فقر الفكر لا فقر الموارد.

 

 
 
 

Comments


Search By Tags
Who Am I?

Dr. Amr Kais is a participating faculty at the AUC, a designated lecturer of various institutions, a Certified Management Consultant & Coach, also the founder and MD of Ipsos Egypt which is now the largest research company in Egypt and Middle East.

Other Posts
More on the web
Follow Me
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© 2016 Amr Kais

bottom of page