اضطرابات وفرص

لم تعد التقلبات الجيوسياسية مجرد خلفية للأحداث، بل أصبحت هي الحدث نفسه. فالحروب، والعقوبات، والتحالفات الجديدة، وسلاسل الإمداد المتقلبة، وتحول مراكز القوي الاقتصادية كلها عناصر تعيد تشكيل قواعد اللعبة في عالم يتغير بسرعة تفوق قدرة المؤسسات على التنبؤ. وفي خضم هذا الاضطراب، يبرز سؤال جوهري، وهو هل يمكن للشركات أن تحول هذه التقلبات إلى ميزة تنافسية بدلا من أن تكون مصدر تهديد؟ وهو السؤال الذي حاول بعض الخبراء الإجابة عليه في تقرير نشرته مؤخرا مؤسسة ماكينزي. فقد تناول التقرير خمس مبادئ تساعد المؤسسات على التعامل مع عالم يزداد تعقيدا. لكن اللافت للنظر ليس المبادئ بحد ذاتها، بل الفلسفة التي تقف خلفها تلك المبادئ، وهي فكرة أن الاضطراب ليس قدرا، وأن الفوضى ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بداية مسار جديد لمن يملك الشجاعة والرؤية. بل وأن التقلبات الجيوسياسية لم تعد تصلح كعذر للقيادات لعدم تحقيق أهدافها. لأن تلك التقلبات باتت ركنا أساسيا من أركان الواقع الجديد الذي يتعين عليهم التعامل معه.
يعد التحول من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة امتلاك زمام المبادرة أول تلك المبادئ. فقد أكدت التجارب أن المؤسسات التي تنتظر وقوع الأزمة لتتحرك، تتحمل التكلفة الأكبر. أما تلك التي تستثمر في بناء القدرة على التكيف سواء عبر تنويع سلاسل الإمداد، أو تطوير سيناريوهات متعددة، أو تعزيز مرونة عملياتها هي التي تنجح في تحويل الصدمات إلى فرص. فالفكرة هنا ليست في أن نستعد فقط لما نستطيع توقع حدوثه، لأنه من المستحيل توقع كل شيء. بل أن نكون مستعدين لأي شيء قبل حدوثه. ثم تأتي أهمية دقة المعلومات وسرعتها. وهو ثاني المبادئ. ففي عالم تتغير فيه التحالفات الاقتصادية والسياسية بسرعة، تصبح المعلومة الدقيقة هي خط الدفاع الأول. فالشركات التي تتابع التطورات الجيوسياسية بشكل منهجي، وتربطها بقراراتها التشغيلية والاستثمارية هي الأكثر قدرة على اتخاذ قرارات رشيدة. فلم يعد تحليل المخاطر الجيوسياسية مهمة شكلية، بل أصبح جزءا من صميم الإدارة اليومية. أما ثالث المبادئ فهو التخلي عن التفكير النمطي بالبعد عن الأسواق المضطربة واستبداله بإعادة وضع إستراتيجية مناسبه لتلك الأسواق المضطربة بدلا من الهروب منها. فعادة ما تأتي الاضطرابات الجيوسياسية بفرص. لكن يتطلب ذلك استغلال تلك الفرص لبناء شراكات محلية جديدة تقلل من المخاطر. أو قد يتطلب تنويع مصادر المواد الخام، أو الاستثمار في التكنولوجيا لتعويض نقص العمالة أو ارتفاع التكلفة، أو ما شابه من السياسة المرنة التي تجعل من الاضطراب فرصة لإعادة التموضع، لا سببا للانسحاب. ولعل الأصعب ضمن المبادئ الخمسة هو تبني عقليه مختلفة عن العقلية السائدة حاليا. وهي العقلية التي لا ترى في الاضطراب تهديدا، بل احتمال لفرص جديدة. أما خامس المبادئ وآخرها فهو الاستثمار في العلاقات. ففي عالم تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، تصبح العلاقات مع الحكومات، والموردين، والشركاء، والمجتمعات المحلية عنصرا حاسما في القدرة على الصمود في وجه الاضطرابات. فالشركات التي تبني جسور الثقة قبل الأزمات، تجد نفسها أكثر قدرة على المناورة عندما تشتد العواصف.
وإذا ما طبقنا ما سبق على منطقتنا، سنجد أنه على الرغم من الحروب والصراعات الحدودية، والتحولات في أسعار الطاقة، وإعادة رسم التحالفات والتنافس العالمي على النفوذ، فالمنطقة مليئة أيضا بالفرص مثل: إعادة الإعمار، والتحول نحو الطاقة المتجددة، والاستثمار في التكنولوجيا والنمو المضطرد في الأسواق الاستهلاكية وغيرها من الفرص. وبالطبع يتطلب استغلال تلك الفرص التعامل مع الاضطرابات الجيوسياسية بعقلية استباقية، والاستثمار في بناء هياكل إدارية ولوجستية مرنة، و بناء شبكة علاقات قوية وقراءه لتلك الاضطرابات بعمق لكي نحولها من مصدر للقلق إلى مصدر للفرص. فالاضطراب ليس نهاية الطريق، بل بداية طريق جديد لمن يملك الشجاعة والرؤية.





Comments