top of page

الاقتصاد والإنسان

17 minutes ago
2 min read

عادة ما يتشابه تاريخ الاقتصاد ودورته بحياة الانسان. فكلاهما يشهد فترات صعود وهبوط واضطراب لا نتمكن خلالها من تحديد أين نقف.   فالإقتصاد ليس مجرد أرقام جامدة بل مرآة لنبض الناس، ومخاوفهم، وقراراتهم، وتوقعاتهم للمستقبل. ولهذا، فأي محاولة لفهم هذا النبض تحتاج إلى عقل قادر على قراءة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الصورة الكبيرة.  ولهذا، فإن أي إنجاز يعيد للإقتصاد قدرته على فهم الإنسان يستحق الاحتفاء. وهذا ما فعله الفائزان بجائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2026 "روبرت هول" و"مايكل وودفورد". فقد كرمتهما الأكاديمية الملكية السويدية “لإرساء الأسس الميكرو‑إقتصادية لسياسات الإستقرار الإقتصادي”، وهو إنجاز يبدو للوهلة الأولى نظريا، لكنه في جوهره يمس حياة كل فرد يعيش في عالم تتقلب فيه الأسعار، وتتغير فيه الوظائف، وتضطرب فيه الأسواق.  فقد اعتمدت السياسات الاقتصادية منذ عقود طويلة على نماذج "كينزية" تقليدية تفسر الركود والانتعاش من منظور كلي. لكن تلاحق الأزمات الإقتصاديه منذ السبعينيات وحتى الآن، من تضخم مرتفع وبطالة متصاعدة، ونمو متباطئ كشف هشاشة هذه النماذج. و بدا كأن أدوات السياسة الإقتصادية الكليه قد فقدت قدرتها على التأثير. وهنا ظهر دور "هول" و"ودفورد".  فقد قررا التركيز على دراسة سلوك الأفراد والشركات، مثل كيف يدخر الناس؟ كيف يحدد المنتجون الأسعار؟ وكيف يتوقع المستثمرون المستقبل؟ لقد أعادا بناء النموذج الاقتصادي ليصبح أكثر قدره على تفسير دورات الأعمال من منظور واقعي يعتمد على قرارات البشر لا على مجرد علاقات رياضية. هذه النقلة الفكرية كانت ثورية، لأنها منحت صانعي السياسات أدوات أكثر دقة للتعامل مع الركود والتضخم. و هو ما يعد تحويل جذري في فلسفة السياسة الإقتصادية.  فقد أكدا أن الاقتصاد لا يتحرك بتأثير ما يحدث اليوم، بل بما يتوقع الناس أن يحدث غدا. وهو ما فتح الباب لإستحداث أدوات جديده مثل "التوجيه المستقبلي "(Forward Guidance)، "إدارة توقعات الأسواق"، و"التواصل الإستراتيجي للبنوك المركزية". وقد أثبتت هذه الأدوات فعاليتها خلال الأزمات المالية العالمية، حين إحتاجت الإقتصادات إلى رسائل تطمئن الناس وتعيد الثقة إلى الأسواق.  فالطبيب لا يجب أن يكتفي بعلاج الأعراض، بل أن يبحث عن جذور المرض في سلوك الجسد نفسه ويعالجه. و جذور الإقتصاد تكمن في فهم الإنسان و سلوكه الشرائي و الادخاري و الإستثماري قبل فهم الارقام.

والسؤال هو لماذا بات يهمنا هذا التوجه اليوم؟ والاجابة هي لأننا  صرنا نعيش في عالم تتسارع فيه الصدمات الاقتصادية من تقلبات في أسعار الغذاء والطاقة واضطرابات في سلاسل الإمداد وتغيرات مفاجئة في سلوك المستهلكين وضغوط التضخم التي تمس حياة الناس مباشرة. وفي مثل هذا العالم، لا تكفي النماذج القديمة التي تفترض أن الناس يتصرفون بعقلانية كاملة أو أن الأسواق دائما مستقرة. نحتاج إلى نماذج تستطيع قراءة الواقع كما هو، وتقديم سياسات قادرة على حماية المجتمعات من التقلبات الحادة. وهو بالضبط ما قدمه الفائزان.  فقد أعادا إلى الاقتصاد شيئا من الحكمة، والبصيرة، والقدرة على رؤية الإنسان داخل الأرقام. 

إن تكريم "هول" و"ودفورد" ليس تكريما لمدرسة اقتصادية جديدة فحسب، بل هو تكريم لفكرة أعمق: وهي أن الإقتصاد علم إنساني قبل أن يكون علم رياضي.  فالسياسات التي ُتبنى على فهم سلوك الناس وتوقعاتهم، تكون أكثر قدرة على حماية المجتمعات من التقلبات التي تهز حياتهم.


 
 
 

Comments


Search By Tags
Who Am I?

Dr. Amr Kais is a participating faculty at the AUC, a designated lecturer of various institutions, a Certified Management Consultant & Coach, also the founder and MD of Ipsos Egypt which is now the largest research company in Egypt and Middle East.

Other Posts
More on the web
Follow Me
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© 2016 Amr Kais

bottom of page