top of page

المستهلك المصري

16 minutes ago
2 min read

 ُيعد التعرف على سلوك المستهلكين وأنماط استهلاكهم حجر الزاوية لعلوم التسويق، والاقتصاد والاجتماع على حد سواء. وهو المجال الذي أمضيت فيه سنوات طوال، متخذا منه هواية قبل أن يكون مهنة. وعلى الرغم من التطور الكبير والطفرة التكنولوجية التي حدثت في هذا المجال وفي الأدوات المستخدمه فيه، إلا أن السرعة غير المسبوقة في تغير أنماط الاستهلاك جعل القدرة على فهم والتنبؤ بسلوك المستهلك مهمه أكثر تعقيدا عن ذي قبل. وفي محاولة للتعرف على أحدث التغيرات التي طرأت على المستهلك، نشرت مؤسسة ماكنزي تقرير "حالة المستهلك لعام 2026 ". والذي اختارت له عنوانا معبرا وهو "عندما يتصادم التسارع التكنولوجي مع ضغوط تكلفة المعيشة".

يشير التقرير إلى مفارقة لافتة وهي أنه على الرغم من أن المستهلك العالمي يشعر بقلق متزايد تجاه الأسعار والتضخم، الا أنه لا يتوقف تماما عن الإنفاق.  و هي المفارقة التي نجدها في مصر أيضًا، لكن بصورة أكثر حدة. فالمستهلك المصري يعيش في ظل إرتفاعات متتالية في الأسعار، وتراجع للقوة الشرائية، وضغوط معيشية يومية. ومع ذلك، لا يتوقف عن الإنفاق، بل يعيد ترتيب أولوياته.  فهو يخفض الإنفاق على السلع غير الأساسية، لكنه ينفق على ما يمنحه إحساسا بالاستقرار والاشباع النفسي. ويبحث عن بدائل أقل تكلفة في محاوله لعدم التخلي عن بعض مظاهر الرفاهية الصغيرة. و هو السلوك الذي يعكس محاولة للتكيف مع واقع اقتصادي صعب، دون التخلي عن الحد الأدنى من جودة الحياة. كما يشير التقرير إلى تراجع ملحوظ في ولاء المستهلك للعلامات التجارية، وأن المستهلك أصبح أكثر إستعدادا لتجربة علامات جديدة.  فالمستهلك لم يعد مرتبطًا بعلامات بعينها كما كان في الماضي.  بل صار اليوم يبحث عن السعر الأفضل، القيمة الأعلى، والعروض الأكثر جاذبية. وبناء على ذلك، أصبحت العلامات التجارية الكبرى التي كانت تتمتع بولاء تاريخي، تواجه منافسة شرسة من علامات جديدة، محلية أو مستوردة، تقدم قيمة أعلى أو سعرا أقل. وهذا التحول يفرض على الشركات أن تعيد التفكير في إستراتيجياتها. حيث لم يعد يكفي أن تكون العلامة معروفة، بل يجب أن تكون مقنعة.  يشير التقرير أيضا إلى أن الناس يقضون وقتا أطول بمفردهم مع إنتشار التسوق الإلكتروني. كما صاروا يعتمدون على التطبيقات في شراء الطعام والسلع، قضاء ويقضون وقت أطول على الإنترنت، فيما تراجعت الزيارات العائلية مقارنة بالماضي. وهي تحولات لا تعكس فقط تغير في التكنولوجيا، بل تغيرا في نمط الحياة نفسه. فقد أصبحت الوحدة أو الخصوصية جزء من الحياة اليومية، وأصبح التسوق الرقمي وسيلة للتواصل مع العالم بقدر ما هو وسيلة للحصول على المنتجات.   ويوصي التقرير بالتخلي عن المتغيرات التقليدية لتقسيم   مجتمع المستهلكين(segmentation) إلى شرائح مثل العوامل الديموغرافية، ليكون الاعتماد أكثر على متغيرات ترتبط أ بالشخصية وأسلوب الحياة. وذلك بغية التعرف على شرائح أكثر دقة، تحتاج إلى فهم جديد، ورسائل جديدة، وإستراتيجيات جديدة. فلم تعد قرارات المستهلك الشرائية مرتبطة فقط بدخله أو ثقافته أو عمره، بل أصبحت نتاجا لمزيج معقد من الضغوط الإقتصادية، والتحولات الرقمية، وتغير أنماط الحياة، وتبدل أولويات الأجيال. و من ثم يصبح الإستهداف الدقيق (Microtargeting) مهما.

إن المستهلك المصري اليوم (بكسر اللام) أصبح ُمستهلكا (بفتح اللام) بفعل العالم المضطرب الذي يعيش فيه. لكنه لا يستسلم.  

بل يعيد ترتيب أولوياته، ويبحث عن القيمة، ويتكيف مع الواقع، ويستخدم التكنولوجيا ليحافظ على جودة حياته قدر المستطاع.

وإذا أراد المسوق أن يبقى قريبا منه، فعليه أن يتخلى عن النماذج القديمة التقليدية، ويبدأ بالإنسان نفسه: من قلقه، ورغباته، وطموحاته، وطريقة حياته الجديدة. فالمستهلك المصري يتغير، ومن لا يتغير معه، سيجد نفسه خارج المشهد.

 

 

 
 
 

Comments


Search By Tags
Who Am I?

Dr. Amr Kais is a participating faculty at the AUC, a designated lecturer of various institutions, a Certified Management Consultant & Coach, also the founder and MD of Ipsos Egypt which is now the largest research company in Egypt and Middle East.

Other Posts
More on the web
Follow Me
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© 2016 Amr Kais

bottom of page