top of page

انتصار العدالة

1 day ago
3 min read

في عالم يزداد اضطرابا وتتعالى فيه أصوات القوة على حساب الحق يبرز بين الحشود إسم إمرأة أثبتت أن العدالة ليست مجرد نصوص قانونية، بل مسار حياة ونضال طويل وإيمان لا يتزعزع بكرامة الإنسان. عن "نافي بيلاي"، الفائزة بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 أتحدث.  فهي ليست مجرد قاضية دولية مرموقة، بل قصة إنسانية ملهمة ومسيرة نضالية تمتد لأكثر من ستة عقود بدأت من أحياء "ديربان" الفقيرة في جنوب أفريقيا، وإنتهت على منصات القضاء الدولي حيث ُتصنع القرارات التي تغير وجه العالم.  ولدت "بيلاي" عام 1941 في ظل نظام الفصل العنصري، وسط واقعٍ يقيد أحلام الفتيات ذوات الأصول غير البيضاء. ومع ذلك، لم تستسلم لحدود الواقع، بل كسرت جدرانه الواحد تلو الآخر. ففي عام 1967، أصبحت أول امرأة ملونة تفتح مكتبا للمحاماة في إقليم "ناتال"، متحدية منظومة كاملة من التمييز العنصري، ومدافعة عن نشطاء مناهضة الفصل العنصري، على رأسهم "نيلسون مانديلا" الذي أصبح لاحقا رمزا عالميا للنضال من أجل الحرية.  لم يكن نضالها مجرد دفاع قانوني بل كان مواجهة مباشرة مع آلة القمع؛ إذ كشفت أساليب التعذيب، وإنتزعت حقوقا أساسية للسجناء السياسيين في "روبن آيلاند"، الجزيرة التي استخدمتها السلطات في جنوب أفريقيا منذ القرن السابع عشر وحتى نهاية القرن العشرين كسجن شديد الحراسة، خصوصا لإحتجاز السجناء السياسيين المناهضين لنظام الفصل العنصري، وعلى رأسهم "نيلسون مانديلا". ولمن لا يعرفها، تعد جزيرة روبن آيلاند اليوم موقعا للتراث العالمي لليونسكو، وشاهدا على انتصار الحرية على القمع.  هذا الإصرار المبكر على مواجهة الظلم شكل حجر الأساس لمسيرتها العالمية لاحقا. فقد عينها "مانديلا" في عام 1995 - بعد سقوط نظام الفصل العنصري - قاضية في المحكمة العليا لتصبح أول امرأة ملونه تتولى هذا المنصب في تاريخ جنوب أفريقيا. ثم شغلت منصب رئيس المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا من 1999 حتى 2003. وخلال عملها أصدرت واحدا من أهم الأحكام في تاريخ القضاء الدولي وهو الاعتراف بأن الاغتصاب يعد جريمة إبادة جماعية، وهو ما أعاد تعريف كيفية تعامل القانون الدولي مع العنف الجنسي في النزاعات.  ثم بعد ذلك، انتقلت بيلاي إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، قبل أن تتولى منصب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة بين 2008 و2014. وأثناء مزاولتها لمهامها واجهت حكومات كبرى وانتقدت انتهاكاتها بلا خوف، ودون أن تترك أي مجال للمجاملة أو الحسابات السياسية.  و في الواقع  لم تتوقف جهود "بيلاي" عند حدود المناصب، بل ترأست لجنة التحقيق الدولية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقدمت تقارير أثارت جدلا عالميا واسعا حول جرائم الحرب والإنتهاكات. ورغم الهجمات السياسية التي تعرضت لها، بقيت ثابتة على موقفها، مؤمنة بأن الحقيقة لا تقاس بردود الفعل، بل بقدرتها على إنصاف الضحايا. وفي عام 2019، أصبحت قاضية في محكمة العدل الدولية في قضية تتعلق بإتهام ميانمار بالإبادة الجماعية، لتواصل دورها في الدفاع عن الشعوب التي لا صوت لها.


لقد جاء قرار لجنة نوبل ليؤكد أن السلام الحقيقي لا يبنى بالخطابات، بل بالأنظمة القانونية التي تحمي الإنسان من بطش القوة. فقد أشادت اللجنة بشجاعتها الإستثنائية ونزاهتها، وبقدرتها على توسيع نطاق القانون الدولي ليصبح أداة فعالة في مواجهة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.  وهكذا ظلت بيلاي - في عالم تتزايد فيه النزاعات وتتعرض فيه المؤسسات القانونية لهجمات سياسية - صوتا ثابتا يذكر بأن العدالة هي الطريق الوحيد لسلام مستدام.


إن قصة نافي بيلاي ليست مجرد سيرة ذاتية بقدر ما هي شهادة على قدرة الإنسان على تغيير العالم مهما كانت الظروف. إمرأة خرجت من قلب الظلم لتصبح رمزا عالميا للعدالة. لم تبحث عن الأضواء، بل عن الحقيقة. لم تسع إلى السلطة، بل إلى حماية الضعفاء. واليوم، وهي تتسلم جائزة نوبل للسلام، فإن العالم لا يحتفي بشخصها فقط، بل يحتفي بفكرة العدالة ذاتها، وبقوة الإنسان حين يختار أن يقف في صف الحق مهما كان الثمن.

 

 
 
 

Comments


Search By Tags
Who Am I?

Dr. Amr Kais is a participating faculty at the AUC, a designated lecturer of various institutions, a Certified Management Consultant & Coach, also the founder and MD of Ipsos Egypt which is now the largest research company in Egypt and Middle East.

Other Posts
More on the web
Follow Me
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© 2016 Amr Kais

bottom of page