top of page

الموظف العام

Sep 13
3 min read

إنتشرت في الأسبوع الماضي صور لإحتفال صاخب قامت به إحدى المدارس الخاصة في "إيجيبت" بما بات يعرف بـ"لاست فيرست داي" و قاموا بتوفير أتوبيسات مكشوفة للطلبه احتفاء بهم. أما في مصر فقد تفاعل الكثيرون في الأسبوع الماضي مع واقعة السيد المحافظ مع السيدة الفاضلة صالحة، مديرة المدرسة التي ضاقت بها السبل في محاولة إيصال المرافق لمدرستها من جهات تتبع المحافظ الذي وجه لها اللوم على الملأ. و هنا أود تناول هذه الواقعة ودلالتها الهامة من زوايا إداريه بحتة. أولها هو دور المحافظ في محافظته، الذي يفترض أن يكون مسئولًا عن أداء كافة المرافق من تعليم وصحة وكهرباء ومياه وصرف وخلافه، وأن ينسق فيما بينها ويعمل على تقديم يد العون للعاملين في هذه المرافق، والتأكد من حسن سير العمل فيها، وليس اصطياد الأخطاء للعاملين فيها. من هذا المنطلق، كان يفترض في المحافظ الإجتماع مع مديري المدارس قبل بدء العام الدراسي بوقت كافٍ للوقوف على إحتياجاتهم والتعرف على مشاكلهم ومساعدتهم على حلها قبل بدء العام الدراسي بوقت كافٍ. أما قيامه بزيارة فجائية استعراضية قبل بدء العام الدراسي بأيام قليلة بغرض اصطياد الأخطاء فلا يتماشى مع صميم عمله المفترض فيه تجنب وقوع المشاكل وليس اكتشافها بعد وقوعها. وإن حدث ذلك، يقع اللوم عليه شخصيا لأنه لم يوفّر البيئة التنظيمية والإدارية التي تمنع حدوثها من الأساس. الزاوية الثانية تتعلق بأسلوب توجيه المرؤوسين ومحاسبتهم على أخطائهم مهما بلغت جسامتها. أتصور أن أبسط مبادئ الإدارة تقتضي عدم توجيه أو محاسبة المرؤوسين على الملأ وأمام الكاميرات، حتى وإن تطلب الأمر فصلهم. فالمحاسبة العلنية لا تصلح خطأً، بل تهين موظف عام يؤدي واجبه في ظروف صعبة. كما تخلق حالة من الخوف والارتباك داخل الجهاز الإداري. وهو عكس ما بتنا نراه من بعض المسئولين مؤخرا؛ حيث أصبحت الكاميرات جزءا من المشهد، وكأن الهدف هو صناعة لقطة إعلامية لا إصلاح خلل إداري.  وعلى ذكر الكاميرات، فلماذا أصبح المسئولون يصرون على اصطحاب الكاميرات وتركيب الميكروفونات؟ وهل يتم الحكم على كفاءة المسئولين بناء على النتائج الملموسة التي يحققوها على أرض الواقع، أم بناءً على تلك المشاهد الاستعراضية؟!  لقد رأينا في الأشهر الماضية أمثلة عديدة لقرارات اتخذت أمام الكاميرات، مثل إغلاق محل أو معمل أو فصل موظف، ثم اكتشفنا لاحقا أن المشكلة كانت في سوء التنظيم أو غياب الموارد وليس في الموظف نفسه. هذه المشاهد لا تبني دولة، بل تبني إنطباعات زائفة.

ولعل ما نشهده من وقائع يفتح أعيننا على حقيقة أن جودة حياتنا تتوقف على حسن اختيار الموظف العام، لأن قراراته تشكل حياتنا بشكل كبير. فعندما يقرر مسئول قطع الأشجار في شارع كامل بحجة توسعة الطريق دون دراسة بيئية، ترتفع درجات الحرارة، ويزداد التلوث، وتتدهور جودة الهواء. وعندما يقرر مسئول آخر تغيير مسار شارع أو إزالة رصيف تم إنشاؤه حديثا، تتعطل الحركة، وتهدر الأموال العامة، ويرهق المواطن بلا داعٍ. وعندما تنفذ أعمال رصف ثم يعاد حفرها بعد أسابيع لتركيب مرافق، فهذا يعكس غياب التنسيق بين الجهات، ويظهر خللا إداريا يؤثر مباشرة على حياة الناس. هذه القرارات الصغيرة في ظاهرها، والكبيرة في أثرها هي ما يجعل المواطن يشعر بأن حياته اليومية أصبحت مرهقة بلا سبب. وهي ما قد تنبه له "لي كوان يو"، رائد نهضة سنغافورة، حيث عزا تلك النهضة إلى حرصه على اختيار أفضل العقول للمناصب العامة مهما كانت تكلفة رواتبهم، لأن تكلفة قراراتهم أو العائد منها وتأثيرها يفوق بكثير تكلفة تلك الرواتب. فالموظف العام الكفء يصنع جودة حياة، بينما الموظف غير الكفء يصنع أزمات متتالية.

إن واقعة السيدة صالحة ليست مجرد مشهد عابر، بل مرآة تعكس الحاجة الملحة لإعادة النظر في أسلوب الإدارة المحلية وفي مفهوم المسئولية وفي طريقة اختيار القيادات التنفيذية. فالدولة الحديثة لا تبنى بالكاميرات، بل تبنى بالعلم والتخطيط واحترام الإنسان وتمكين الكفاءات.

 

 

 
 
 

Comments


Search By Tags
Who Am I?

Dr. Amr Kais is a participating faculty at the AUC, a designated lecturer of various institutions, a Certified Management Consultant & Coach, also the founder and MD of Ipsos Egypt which is now the largest research company in Egypt and Middle East.

Other Posts
More on the web
Follow Me
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© 2016 Amr Kais

bottom of page