top of page

الصين و مصر

  • 11 minutes ago
  • 2 min read

تأتي زيارة الرئيس الصيني إلى مصر في لحظة فارقة إقليميا ودوليا، وفي توقيت تحتاج فيه القاهرة إلى إعادة صياغة علاقاتها الاقتصادية بما يتناسب مع التحولات العميقة في الاقتصاد العالمي. فالصين لم تعد مجرد قوة صناعية صاعدة، بل أصبحت نموذجا فريدا في القدرة على انتشال مئات الملايين من الفقر، وقيادة موجات متتالية من النمو، والتوسع المدروس في الأسواق الأفريقية.  وهو نموذج يحمل دروسا ثمينة لمصر في سعيها نحو التنمية المستدامة. فمنذ عام 1990 وحتى اليوم، استطاعت الصين إخراج أكثر من 800 مليون مواطن من تحت خط الفقر وفق تقديرات البنك الدولي، وهي أكبر عملية خفض للفقر في التاريخ الحديث.  ومع استمرار النمو الاقتصادي، يتوقع أن يتجاوز حجم الطبقة المتوسطة الصينية  600 مليون نسمة بحلول 2030. وهو رقم يفوق عدد سكان الولايات المتحدة ويعكس قوة الطلب المحلي الذي أصبح محركا رئيسيا للنمو العالمي. كما تسهم الصين اليوم بأكثر من 30% من النمو السنوي للناتج العالمي، وتتصدر قائمة الدول المصدرة بقيمة صادرات تجاوزت 4.11  تريليون دولار في 2025.  هذا الصعود لم يكن وليد الصدفة ، بل نتيجة لخطط طويلة المدى، أبرزها خطة "صنع في الصين 2025" التي وضعت أسس التحول الصناعي نحو الذكاء الاصطناعي والروبوتات والطاقة الجديدة.  وقد رصدت الصين عشرات المليارات لتوطين التكنولوجيا، ووضعت أهدافا واضحة. أهمها وعلى مستوى التوسع الخارجي استهداف القارة الأفريقية. فقد أدركت الصين مبكرا أن أفريقيا هي مستقبل النمو السكاني والاستهلاكي. فالقارة تضم اليوم أكثر من 1.3 مليار نسمة، ويتوقع أن يصل عدد سكانها إلى 2.5  مليار بحلول 2050. ومن المتوقع أن تصبح افريقيا أيضا أكبر مصدر للقوى العاملة عالميا بحلول 2035. كما تشير التوقعات إلى أن 13 مدينة أفريقية ستتجاوز نيويورك في الكثافة السكانية خلال العقدين القادمين. ولذلك، أصبحت الصين الشريك التجاري الأول للقارة، بحجم صادرات يتجاوز 198,5  مليار دولار في 2025. ولم يكن هذا التوسع نتيجة القوة الإنتاجية وحدها، بل ثمرة دراسات متعمقة لاحتياجات المستهلك الأفريقي. وهو ما جعل منتجات مدن صغيرة مثل YIWU تغزو العالم وتصدر وحدها بما يفوق 6  مليارات دولار سنويا من بند واحد فقط و هو زينة الأعياد!  هذه التجارب تحمل لمصر دروسا مهمة، خاصة وأن القاهرة كانت قد أطلقت في عام 2016 رؤية مصر 2030، التي هدفت إلى تحقيق تنمية شاملة، لكن بعد مرور أكثر من عشر سنوات، أصبح من الضروري تقييم ما تحقق، وتعديل المسار بما يتناسب مع الواقع العالمي الجديد.

إن التعاون مع الصين في مكافحة الفقر وتطوير الصناعات والتوسع في أفريقيا ليس خيارا ثانويا، بل ضرورة إستراتيجية. فمصر تمتلك موقعا محوريا، وقاعدة صناعية قابلة للتطوير، وعلاقات تاريخية مع القارة. لكنها تحتاج إلى شريك يمتلك الخبرة والقدرة على التنفيذ، وهو ما توفره الصين بوضوح. فالصين لم تحارب الفقر بالمساعدات، بل بالصناعة، والتكنولوجيا، وتمكين المناطق الريفية.  هذا النموذج يمكن تكييفه في مصر عبر دعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة، وربطها بسلاسل القيمة الإقليمية، ومن ثم محاربة الفقر عبر التنمية الإنتاجية. كما يمكن تحقيق التوسع المشترك في الأسواق الأفريقية؛ فمصر تمتلك بوابة جغرافية وسياسية، والصين تمتلك القدرة الإنتاجية والتمويل والخبرة.  لذا، فالتعاون بين الطرفين يمكن أن يخلق نموذجا جديدا للتواجد الاقتصادي في أفريقيا، متجاوزا التجارة إلى التصنيع المشترك. علاوة على نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات المستقبلية من السيارات الكهربائية إلى الطاقة الجديدة والذكاء الاصطناعي بما تمتلكه الصين من خبرات واسعة يمكن لمصر أن تستفيد منها لتطوير صناعاتها وخلق فرص عمل نوعية.

بناء على ما سبق، فإن زيارة الرئيس الصيني لمصر ليست مجرد حدث دبلوماسي، بل فرصة لإعادة صياغة علاقة إستراتيجية يمكن أن تضع مصر على مسار تنموي جديد، مستفيدة من تجربة دولة استطاعت أن تنتقل من الفقر إلى الريادة العالمية خلال ثلاثة عقود فقط.


 
 
 

Comments


Search By Tags
Who Am I?

Dr. Amr Kais is a participating faculty at the AUC, a designated lecturer of various institutions, a Certified Management Consultant & Coach, also the founder and MD of Ipsos Egypt which is now the largest research company in Egypt and Middle East.

Other Posts
More on the web
Follow Me
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© 2016 Amr Kais

bottom of page