أصوات صديقة
- 12 minutes ago
- 3 min read

تلقيت العديد من التعقيبات الثرية على المقال السابق حول التخريب والجهل في بعض السلوكيات العامة و هي تؤكد أن القضية أعمق مما تبدو عليه في ظاهرها. فالمشكلة ليست مجرد صور إنتشرت على منصات التواصل الإجتماعي، بل هي مرآة تعكس خللا ممتدا عبر عقود في بناء الإنسان المصري. و لعل من المفيد أن نناقش أبرز تلك التعقيبات التي تلقي الضوء على زوايا أخرى لتلك المشكلة لم اتناولها في المقال السابق وتستحق الوقوف أمامها. فقد علق مثلا الصديق العزيز الدكتور فؤاد توفيق قائلا بأن جذور المشكلة ليست وليدة اللحظة، بل نتاج تراكمات. فالبيت والمدرسة والجامعة تشكلوا على يد أناس بعضهم لم يحصل على تعليم سليم أو لم يشب على قيم واضحة، لتكون المحصلة سلسلة طويلة من الخلل وليست حلقة واحدة مفقودة تمثل حالات فردية من التجاوزات. هذا التشخيص يضع يدنا على حقيقة مؤلمة و هي أننا لا نتعامل مع جيل واحد، بل مع إرث كامل من غياب الرؤية التعليمية والثقافية. فحين تتشكل وتدار المؤسسات على يد أفراد لم يتلقوا تعليماً سليما يصبح الخلل بنيويا، يتوارثه المجتمع جيلاً بعد جيل. و يختلف الدكتور فؤاد معي في الحلول المقترحة، إذ يرى أن التعليم وحده لا يكفي وأن الردع قادر على تغيير السلوك خلال "عشرين يوماً" إذا طبق بشكل متسق. و ضرب مثال على ذلك بسلوك المصريين في الخارج، مؤكداً أن إلتزامهم هناك ليس نتاج إكتساب قيم جديدة فجأة، بل لأنهم يعلمون أن القانون يطبق على الجميع بلا إستثناء. هذه النقطة شديدة الأهمية، لأنها تكشف أن المشكلة ليست في غياب القوانين، بل في غياب تطبيقها. فالقانون الذي لا يطبق يتحول إلى نص أدبي، لا إلى أداة ضبط اجتماعي.
أما الصديق رفيق باسل فيضيف زاوية أخرى لا تقل أهمية، إذ يرى أن للمشكلة شقين: الأول هو غياب تطبيق القوانين الصارمة والعقاب الفوري، والثاني هو غياب الانتماء لدى المخرب أو ملقي القمامة، الذي يشعر أن البلد ليست بلده، بل بلد "المرتشين والمنتفعين والفاسدين الأغنياء والطفيليين الذين أصبحوا ملء السمع والبصر". و هو التشخيص الذي يفتح بابا حساسا مفاده أن الشعور بالإنتماء ليس شعارا، بل نتيجة مباشرة لعدالة ترى، ومساواة تلمس، وقانون يطبق على الجميع. فحين يشعر المواطن أن الدولة تحميه وتحترمه، يصبح أكثر استعدادا لحماية مرافقها وإحترامها.
ما بين رأي فؤاد ورأي رفيق (مع حفظ الالقاب)، يتضح لنا أهمية التحرك في ثلاثة مسارات متوازية. أولا: التعليم والثقافة كاستثمار طويل الأجل .. تعليم لا يكتفي بمنح شهادات ورقية لكوادر تمثل عبء على الدولة، بل ذاك الذي يصنع مواطنا منتجاً.. تعليم يخلق وعياً حضاريا يجعل المواطن يرى المتحف الكبير أو القطار الجديد كممتلكات شخصية يتوجب الحفاظ عليها. ثانياً: الردع وتطبيق القانون بلا استثناء. فالردع السريع المتسق يغير السلوك ويعيد ضبط المجتمع ويمنع الفوضى التي تكلف الدولة مليارات. وليس منطقيا أن نطالب مواطن بالتحضر بينما يرى المتجاوزون يفلتون من العقاب. ثالثا: تعزيز الانتماء عبر العدالة والشفافية. فالإنتماء لا يفرض، بل يكتسب. فحين يشعر المواطن أن الدولة عادلة و القانون يحميه، وأن الفرص متاحة للجميع يصبح أكثر حرصاً على بلده وأكثر إحتراما لمرافقها.
إن الحقيقة الدامغة التي حاول المقال السابق طرحها تكتمل اليوم بأصوات الاصدقاء. فالمشكلة ليست في فقر الموارد، بل في فقر الفك، وليست في غياب القوانين، بل في غياب تطبيقها، وليست في غياب الإنتماء، بل في غياب ما يصنعه. وما أحوجنا اليوم إلى مشروع حضاري يعيد بناء الإنسان، لا عبر مسار واحد بل عبر منظومة كاملة تجمع التعليم والثقافة والردع والإنتماء في معادلة واحدة. ولعل هذه الأصوات الصديقة تؤكد أن النقاش حول بناء الإنسان ليس ترفا، بل ضرورة وطنية عاجلة، وأن الطريق إلى مصر التي نريدها يبدأ من الإنسان قبل البنيان، ومن الوعي قبل الحجر، ومن العدالة قبل الشعارات.





Comments