رسالة ندى
- 21 hours ago
- 2 min read

تشرفت الأسبوع الماضي بمناقشة إحدى رسائل الدكتوراه استجابة لدعوه كريمة من كلية الإعلام بجامعة القاهرة. وكان موضوع رسالة الباحثة ندى أسامة عن تأثير موسيقى ومؤدي “الراب” في مصر على تشكيل وعي الشباب ونظرتهم للقدوة. وقد وجدت نفسي أمام مجموعة من النتائج التي لا يمكن المرور عليها مرور الكرام. فهي لم تكن مجرد دراسة أكاديمية أخرى تضاف إلى رفوف المكتبات، بل كانت مرآة تعكس تحولات اجتماعية وثقافية تتشكل أمام أعيننا دون أن نمتلك الشجاعة الكافية للاعتراف بها أو التعامل معها بجدية بدلا من التأقلم معها. فقد كشفت الدراسة أن شريحة واسعة من الشباب باتت تنظر إلى بعض مغني "الراب" باعتبارهم قدوة، ليس فقط في أسلوب الكلام أو طريقة الملبس، بل في تشكيل قيمهم . وهنا لا يقف هذا التأثير عند حدود الإعجاب، بل يمتد إلى تبني قناعات وسلوكيات تفضي في كثير من الأحيان إلى التخلي عن التعليم باعتباره طريقا طويلا بلا عائد، مقابل البحث عن أي وسيلة سريعة لجني المال، تماما كما فعل هؤلاء الفنانين. وأتصور أن ما يسري على "الراب" يسري أيضا على "المهرجانات" و "التيك توكرز" وما شابه. وعلى الرغم من أن تلك النتيجة وحدها كافية لتدق ناقوس الخطر، إلا أن السبب يعد أكثر إيلاما. فالشباب لم يجدوا في الإعلام المصري نماذج ملهمة قادرة على أن تشعرهم بأن النجاح الحقيقي ممكن من خلال العمل الجاد، التعليم، أو الالتزام بقيم أخلاقية محترمة. لقد ُتركوا في فراغ، وفي هذا الفراغ تمددت نماذج أخرى، أكثر صخبا، أقل قيمة، أكثر حضورا، وللأسف أكثر قدرة على مخاطبة إحباطاتهم. وفي الواقع، فالمشكلة ليست في الراب كفن، ولا في الشباب كجيل، بل في غياب البديل. فحين لا يجد الشاب شخصية عامة تحترم عقله، أو إعلاما يعرض قصص نجاح حقيقية، أو مؤسسات تقدم له طريقا واضحا للمستقبل، فمن الطبيعي أن يبحث عن نموذج آخر، حتى لو كان هذا النموذج هشا أو مضللا أو قائما على وهم الشهرة السريعة. وهو ما يفسر ما بتنا نشهده من تراجع في قيمة التعليم، وازدياد للنزعة المادية على حساب القيم، وتضخم فكرة “النجاح السريع” على حساب أي جهد طويل المدى. والأخطر أن هذه التحولات لا تحدث فقط فيما يطلق عليه "الطبقة المهمشة"، بل تحدث في قلب الطبقة المتوسطة التي كانت تاريخيا هي الحارس الأول لقيمة التعليم في المجتمع المصري.
إن ما نحتاجه اليوم ليس الهجوم على الشباب، ولا شيطنة الفن، بل إعادة بناء لمنظومة القدوة. نحتاج إلى إعلام يعرض نماذج حقيقية ومحترمة لعلماء، أطباء، مهندسين، رواد أعمال، معلمين، رياضيين، وفنانين حقيقيين. نحتاج إلى قصص نجاح تروى بصدق، بدلا من قصص الأفاقين التي تصنع في غرف العلاقات العامة والتي تتصدر المشهد الحالي. نحتاج إلى مؤسسات تعليمية تعيد للعلم قيمته، لا تكتفي فقط بتلقين المناهج. لابد أن يشعر الشباب أن للنجاح سبل جادة واضحة، وأن الطريق إليها ليس مغلقا ولا محتكرا، ولا محكوما بالواسطة أو الحظ. فحين يشعر الشاب بأن مستقبله مرهون بجهده، سيختار القدوة الصحيحة. أما حين يشعر بأن الأبواب مغلقة، فسيبحث عن أي نافذة، حتى لو كانت نافذة وهمية.
ختاما، أود ان أحيي الباحثة والدكتور أشرف جلال المشرف على الرسالة على جرأتهم في اختيار موضوع غير تقليدي وهام للرسالة وعلى الجهد المبذول فيها. فهي ليست مجرد عمل أكاديمي، بل جرس إنذار لأزمة حقيقيه نتعايش معها ولم نتصدى لها بعد. فنحن ببساطة أمام أزمة ثقة وقيم، وغياب للنماذج الجديرة بالاحترام. تلك هي رسالة ندى!





Comments