الاستنزاف الصامت

ظهر مصطلح جديد تردد بقوة في السنوات الأخيرة في الأوساط الأكاديمية والإعلامية و هو "Brain Rot" أو" تعفن الدماغ". قد يبدوا التعبير مبالغا فيه للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة مرآة دقيقة لواقع نعيشه جميعا بدرجات متفاوتة في عصر الشاشات المتلاحقة والمحتوى المتدفق بلا توقف. فليس من قبيل المصادفة أن تختار جامعة "أكسفورد" هذا المصطلح ليكون كلمة العام لسنة 2024، بعد أن إرتفع إستخدامه بنسبة 230% خلال عام واحد فقط. فالمصطلح لم يعد مجرد نكتة يتداولها جيل "زد" على تيك توك، بل أصبح توصيفا علميا لظاهرة نفسية ومعرفية تتفشى يوما بعد يوم. عَّرفت جامعة "أكسفورد مصطلح "تعفن الدماغ" بأنه تدهور في الحالة الذهنية أو القدرات العقلية نتيجة إستهلاك مفرط لمحتوى تافه أو غير محفز، خاصة المحتوى القصير والسريع الذي يغمرنا على منصات التواصل الإجتماعي. فهو ليس مرضا طبيا بقدر ما هو حالة تراكمية تشبه ما يحدث للجسم عندما يتغذى على وجبات تشبع بلا أي قيمة غذائية، امتلاء بلا غذاء، وراحة ظاهرية تخفي إرهاقا داخليا. فالإنسان بطبيعته يميل إلى السهل والسريع. لكن التكنولوجيا الحديثة لم تكتف بتقديم السهل، بل صممت منصات كاملة تجعلنا ننجذب إليها بلا مقاومة؛ فيديو تلو الآخر، تمريرة بعد تمريرة، حتى نجد أنفسنا في دوامة من المحتوى الذي لا يضيف شيئا، لكنه يستهلك الوقت، والانتباه، وحتى المساحة والقدرة على التفكير. الطريف والمؤلم في ذات الوقت أن المصطلح نفسه انتشر عبر المنصات التي تتهم بأنها السبب في ظهوره. جيل كامل يصنع مقاطع ساخرة عن "تعفن الدماغ" بينما يعيش و يعاني من أعراضه يوميًا. فهي مفارقة تشبه أن يكتب المرء مقالًا طويلًا عن أضرار السكر وهو يتناول قطعة كبيرة من الحلوى.
وقد أشارت الدراسات إلى الآثار المعرفية و النفسية والسلوكية السلبية للتعفن الدماغي. ولعل أبرز الآثار المعرفية تتمثل في تراجع الرغبة في المشاركة في الأنشطة التعليمية أو الحضور المدرسي. علاوة على تشتت الانتباه و انخفاض التحصيل الأكاديمي لدى الطلاب، وضعف القدرة على التركيز، والضبابية الذهنية وصعوبة معالجة المعلومات. كما يؤدي إلى تراجع جودة الأداء التنفيذي في التخطيط، واتخاذ القرار. أما الآثار النفسية والسلوكية فتنعكس في ضعف العلاقات الاجتماعية الحقيقية نتيجة الانغماس في العالم الرقمي، والإرهاق النفسي، والشعور بالإنهاك الذهني، والقلق والاكتئاب خصوصا لدى المراهقين والشباب. فضلا عن التبلد العاطفي وزيادة الشعور بالوحدة والعزلة، خصوصا لدى المرأة. كما أنه وفقا لتقديرات منظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية، تتسبب مشكلات الصحة النفسية الناتجة عن الإرهاق الرقمي في فقدان نحو 12 مليار يوم عمل سنوياً، ما يؤدي إلى خسائر في الإنتاجية تقدر بحوالي تريليون دولار أميركي سنوياً. لذا، ينصح الخبراء بخطوات – على غرار تنظيف غرفة تتراكم فيها الأشياء الصغيرة غير المهمة - بـتخصيص وقت يومي بلا شاشات، واستبدال جزء من المحتوى السريع بقراءات أكثر عمقا، وممارسة التأمل أو المشي دون سماعات، وتقليل التمرير اللانهائي للمحتوى التافه، و إختيار محتوى يضيف شيئًا مهما كان صغيرًا.
أتصور أن ما سبق يعد جرس إنذار يستحق أن نأخذه بجدية. فهو يذكرنا أن العقل لا يختلف عن أي عضلة في جسمنا، تنمو بـالتقوية والتغذية السليمة، وتضعف إذا لم ُتستخدم، وتتدهور إذا غذيناها بما لا يفيد. وفي عالم يزداد ضجيجا، يصبح الحفاظ على صفاء الذهن ضرورة وليس رفاهية. فربما لا نستطيع تغيير طبيعة العصر، لكن يمكننا أن نختار كيف نعيش فيه، وكيف نحمي أغلى ما نملك....عقولنا.





Comments