من الانبهار إلى المسائلة
- 1 day ago
- 2 min read

أصدرت هيئة محلفين في كاليفورنيا منذ أيام قليلة حكما تاريخيًا يقضي بمسؤولية شركتي Meta وYouTube عن إدمان شابة أميركية منذ طفولتها لمنصاتها، وما ترتب على ذلك من ضرر نفسي عميق. وحكمت بتعويض قدره 3 مليون دولار عن هذا الضرر. وقد جاء هذا الحكم بعد أسابيع من المرافعات وساعات طويلة من المداولات. وهو الذي لا يعد مجرد انتصار فردي لفتاة تدعى "كالي"، بل هو بمثابة إعلان رسمي بأن عصر “الحصانة القانونية” الذي تمتعت به شركات التكنولوجيا العملاقة بدأ يتصدع.
بدأت كالي استخدام YouTube وهي في السادسة من عمرها، ثم انتقلت إلى Instagram في التاسعة. ومع مرور السنوات، تحولت هذه المنصات إلى عالمها الأول، بل عالمها الوحيد تقريبا. لم تكن القضية بحاجة لإثبات أن وسائل التواصل هي السبب الوحيد لمعاناتها النفسية، كان المطلوب فقط إثبات أنها كانت “عاملاً جوهريا” في تفاقم تلك المعاناة، وهو ما اقتنع به المحلفون بعد الاطلاع على تصميمات المنصات، وخوارزمياتها، وآليات الإشعارات، وخصائص التشغيل التلقائي، وكل ما يجعل المستخدم يبقى وقتا أطول ثم أطول ثم أطول. لقد رأت المحكمة أن هذه المنصات لم تكن مجرد أدوات ترفيه، بل بيئات رقمية صممت بعناية لتستغل هشاشة الأطفال، وتعيد تشكيل أدمغتهم في سن مبكرة، وتدفعهم إلى دوامة من المقارنة، والقلق، والبحث المستمر عن القبول. وهذا ما جعل الحكم أكثر من مجرد تعويض مالي، ليكون بمثابة إدانة أخلاقية قبل أن يكون إدانة قانونية. لم يكتفِ الحكم بتحميل الشركتين المسؤولية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين اعتبر أن سلوكهما اتسم بـ “الخبث أو القمع أو الاحتيال. وهي عبارات ثقيلة في القاموس القانوني الأميركي، وتفتح الباب أمام تعويضات عقابية قد تكون أكبر بكثير من مبلغ الثلاثة ملايين دولار الذي حكم به في المرحلة الأولى، خاصة أن تلك الشركات تواجه حاليا أكثر من 1600 دعوى مشابهة. ما يعني أن هذا القرار قد يتحول إلى حجر الأساس لسلسلة من الأحكام التي قد تغير شكل الصناعة الرقمية بالكامل، ليس فقط بسبب التعويضات، بل بسبب احتمال إجبار تلك الشركات على إعادة تصميم منصاتها لتقليل الإدمان، فإن ذلك سيضرب قلب نموذج أعمالها القائم على إبقاء المستخدم أطول فترة ممكنة أمام الشاشة. وقد وصف بعض المحللين هذا الاحتمال بأنه “تهديد وجودي” لشركات تعتمد على الإعلانات كمصدر رئيسي للدخل. كما أنه من المتوقع أن يدفع هذا الحكم مشرعي الولايات المتحدة وربما أوروبا لاحقا إلى سن قوانين أكثر صرامة تتعلق بتصميم المنصات، وخصوصاً تلك التي تستهدف الُقصّر. القضية أعادت النقاش حول دور الأسرة والمدرسة في ضبط استخدام الأطفال للتكنولوجيا. فبينما تدان الشركات، يبقى السؤال: كيف نعدّ جيلا قادراً على التعامل مع العالم الرقمي دون أن يبتلعه؟ خاصة مع النمو السريع الذي نشهده في استخدام الذكاء الاصطناعي، و مع حقيقة أن استخدام التكنولوجيا دائما ما يسبق وضع الأطر القانونية لها بعشر خطوات إن لم يكن أكثر!
ربما نكون أمام بداية النهاية لمرحلة “الانبهار” بالتكنولوجيا، لنبدأ مرحلة “المسائلة”. فنسأل أنفسنا ما الذي يجب ألا نسمح للتكنولوجيا أن تفعله، وليس فقط ما الذي يمكن للتكنولوجيا أن تفعله؟ وربما لا يكون هذا الحكم نهاية القصة، بل بدايتها. بداية يتوقف فيها العالم ليتأكد من أن ما بنيناه بأيدينا يتناسب مع قدرتنا على السيطرة عليه لنعيد التوازن بين الابتكار والإنسان، بين التربح والمسؤولية، وبين العالم الحقيقي والافتراضي. ربما تكون قضية "كالي" مجرد شرارة، لكن طالما كانت الشرارات الصغيرة مصدرا للتحولات الكبرى. فمن يدري، قد يكون هذا الحكم أول خطوة نحو فضاء رقمي أكثر إنسانية و رحمة.





Comments