top of page

الصوت الغائب

  • Apr 26
  • 2 min read

في 5 يناير 2024 وأثناء تحليق طائرة بوينج 737 فوق ولاية أوريجون الأمريكية على ارتفاع 16 ألف قدم، انفصلت سدادة الباب من جسم الطائرة فجأة، مما أدى إلى انفجار هوائي عنيف أحدث فجوة كبيرة في هيكل الطائرة.  و كانت المفاجأة الصادمة التي كشفتها التحقيقات لاحقاً أن أربعة مسامير تثبيت أساسية لم يتم تركيبها أصلا في الطائرة عند تصنيعها. بل أن مهندسين داخل الشركة كانوا قد أثاروا مخاوف حول نظام MCAS والضغوط الإنتاجية التي يمكن ان تؤدي لمثل هذا الخطأ، لكن هذه التحذيرات لم تصل إلى مجلس الإدارة. و رغم أن الحادث لم يسفر عن وفيات، فإن آثاره كانت كارثية. فقد تم إيقاف أسطول MAX 9  حول العالم وإلغاء آلاف الرحلات وتجميد خطط زيادة الإنتاج. وهو ما تسبب في خسائر بمليارات الدولارات في القيمة السوقية للشركة وانهيار سمعتها.  وقد أتى ذكر تلك الواقعة في مقال قيم بعنوان “الصوت الغائب في غرفة مجلس الإدارة” بقلم "اليكس ميلوفانوفيتش" عن الحوكمة وأهميتها.   فقضية بوينج ليست مجرد سلسلة أعطال أو قرارات تشغيلية متسرعة، بل هي انعكاس مباشر لخلل أعمق في بنية الحوكمة، وفي الطريقة التي يتم بها اختيار القيادات التي يفترض أن تحمي المؤسسة من نفسها قبل أي شيء آخر. أشار المقال إلى أن بوينج، على الرغم من تاريخها العريق، افتقدت في لحظة حرجة إلى وجود حوكمة حقيقية داخل مجلس إدارتها. فالمجلس، كما أوضح التقرير، لم يكن متوازنا من حيث تنوع الخبرات والانتماءات. هذا الخلل لم يكن شكليا؛ بل كان سببا مباشراً في ضعف الرقابة على القرارات الفنية التي سبقت أزمات الشركة في تصنيع طرازاتها والمشكلات اللاحقة في خطوط إنتاجها. فالحوكمة ليست رفاهية وليست وثائق تعلق على الجدران، ولا اجتماعات بروتوكولية تعقد كل ربع سنة. الحوكمة الفعالة هي نظام إنذار مبكر، يلتقط الاهتزازات قبل أن تتحول إلى انهيارات. وعندما يختل هذا النظام، تصبح المؤسسة عمياء أمام مخاطرها. واختيار أعضاء مجلس الادارة لا محل فيه للأهواء والمجاملات. وليس عملية شكلية، وليس مجرد مجموعة أسماء مرموقة، بل هو عقل الشركة الجماعي. وإذا كان هذا العقل يفتقر إلى التنوع أو الخبرة أو الشجاعة، فإن المؤسسة ستسير بثقة نحو المجهول.

يبرز المقال أهمية دور مجلس الإدارة في الحوكمة. فمجلس الإدارة ليس واجهة، بل جهاز عصبي للمؤسسة. وإذا كان هذا الجهاز لا ينقل الإشارات الصحيحة، أو ينقلها متأخراً، فإن الجسم كله ينهار مهما كان حجمه أو تاريخه. من هنا تأتي أهمية قدرته على رؤية الصورة الكبيرة وتنوع الخبرات داخله وضرورتها الإستراتيجية. كما يؤكد مقال ميلوفانوفيتش على أن الاستقلالية الحقيقية لأعضاء المجلس هي خط الدفاع الأول ضد القرارات التي تتخذ بدافع السرعة أو ضغط السوق. فالجرأة في النقاش داخل المجلس هي ما يمنع من الانزلاق نحو “تفكير القطيع”. فالعضو الذي يخشى إزعاج الإدارة التنفيذية لا يصلح قطعا لمجلس الإدارة.

 كما يؤكد المقال على أن أهمية الحوكمة لا تقتصر فقط على الشركات، بل تزيد أهميتها في المؤسسات الحكومية والمؤسسات المملوكة للدولة.  فكل كيان يفشل عندما يغيب الصوت الذي يجب أن يسمع، وعندما تختزل الحوكمة في إجراءات بدلا من أن تكون ثقافة، وعندما يدار المستقبل بأدوات الماضي.  و حين يتم اختيار مجلس الإدارة بناء على العلاقات لا الكفاءات تصبح القرارات الكبرى رهينة لرؤية ضيقة، وتتحول المؤسسة إلى كيان يتحرك بالقصور الذاتي لا بالبصيرة. فحين يغيب التنوع الحقيقي في الخبرات، ويستبدل النقاش الصريح بالمجاملات، يبدأ الانحدار من حيث لا يشعر أحد.

 


 

 
 
 

Comments


Search By Tags
Who Am I?

Dr. Amr Kais is a participating faculty at the AUC, a designated lecturer of various institutions, a Certified Management Consultant & Coach, also the founder and MD of Ipsos Egypt which is now the largest research company in Egypt and Middle East.

Other Posts
More on the web
Follow Me
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© 2016 Amr Kais

bottom of page