top of page

التحولات الهادئة!

Dec 27, 2025
2 min read

يدخل العالم بعد ساعات قليله عام 2026 محملا بإرث ثقيل من محصلة تبعات جائحة الكورونا.  ثم ما تلتها من حروب تسببت في تضخم، وارتفاع أسعار الفائدة، وتباطؤ في سلاسل التوريد وما أدت اليه كل هذه العوامل من أزمات اقتصادية وتسارع غير مسبوق تكنولوجيا.  وبناء عليه،  يبدو المشهد العالمي وكأنه يقف على حافة مرحلة جديدة، لا تشبه السنوات السابقة التي اتسمت بالاضطراب الحاد والتقلبات المفاجئة. فهو في الأغلب ليس عاما للانفجارات الكبرى بقدر ما هو عام لإعادة ترتيب الأوراق، حيث تتضح فيه الاتجاهات التي بدأت تتشكل منذ منتصف العقد، وتبدأ فيه الدول والمؤسسات في جني ثمار قرارات اتخذت تحت ضغط الأزمات المتلاحقة السابق ذكرها.  فهو عام تتراجع فيه الفوضى قليلا، ويعلو فيه صوت التخطيط، وتبدأ فيه الدول والمؤسسات والأفراد في إعادة بناء ما تهدم، ورسم مسار أكثر اتزانا نحو المستقبل. لذا، فإنه يصلح بامتياز أن يطلق عليه عام التحولات الهادئة وصياغة ملامح عقد جديد.  فالتباطؤ الاقتصادي لم يعد مفاجئا بل أصبح جزءا من “الوضع الطبيعي الجديد”. فمن المعروف لدى الجميع مقدما أن النمو الاقتصادي العالمي لن تزيد نسبته عن 2,6% في عام 2026. حيث تقود هذا التباطؤ اقتصادات الولايات المتحدة وأوروبا بينما تقود اقتصادات آسيا وافريقيا تسارعا نسبيا مستغله الاستثمارات المتسارعة في البنية التحتية للطاقة النظيفة. كما يتوقع أن تشهد معدلات التضخم استقرارا تدريجيا بعد سنوات من الارتفاع لكن دون العودة إلى مستويات ما قبل 2020. تلك كانت المؤشرات فماذا عن التوجهات؟

لعل أبرز التوجهات هو عودة الاهتمام بقطاعات ما يعرف بالاقتصاد التقليدي من صناعة وزراعة وتكنولوجيا إنتاجية، بعد أن أثبتت الأزمات هشاشة الاعتماد المفرط على الخدمات والاقتصاد الرقمي وحده. كما يتوقع تسارع وتيرة انطلاق مشاريع طاقة ضخمة عالميا، خصوصًا في مجالات الهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي بين الدول.  أما في مجال الذكاء الاصطناعي فيتوقع أن يشهد تشريعات أكثر صرامة بعد سنوات من النقاش حول مخاطره الأخلاقية، مع توجس خيفة من عدم تناسب المردود الاقتصادي له مع التدفقات الاستثمارية غير المسبوقة فيه.  وبالتواز، ُيتوقع وقوع تحولات ملموسة في أسواق العمل مع توسع الشركات في تبني نماذج العمل الهجينة وزيادة الاعتماد على المهارات الرقمية المتقدمة. كما يتوقع عودة الاهتمام بالفضاء والمنافسة فيه سواء بين الحكومات أو الشركات.

أما على صعيد السياسة الدولية، فيبدو أن 2026 سيكون العام الذي تتأكد فيه ملامح عالم متعدد الأقطاب، ليس بالمعنى التقليدي للقوة العسكرية فقط، بل من حيث النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي والثقافي. فستواصل الولايات المتحدة إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية، مع تركيز أكبر على الاقتصاد المحلي والبنية التحتية، ما ينعكس على دورها الخارجي الذي سيظل قويًا لكنه أقل اندفاعًا. بينما ستسعى الصين إلى تثبيت موقعها كقوة اقتصادية أولى في آسيا، مع توسع محسوب في مبادرة “الحزام والطريق”، لكن مع حذر أكبر تجاه المخاطر المالية.  أما أوروبا فستواجه عامًا صعبًا سياسيًا بين ضغوط الطاقة وتحديات الهجرة وصعود التيارات الشعبوية، ما يجعل 2026 عامًا مفصليًا في تحديد مستقبل الاتحاد الأوروبي. بينما يتوقع ان يشهد الشرق الأوسط استمرارًا لسياسة “التهدئة الحذرة”، مع التركيز على الاقتصاد، الطاقة المتجددة، والاستثمارات العابرة للحدود، في محاولة لتجاوز مرحلة الصراعات التقليدية.

ختاما، يبدوا أن عام 2026 سيكون عاما يختبر فيه العالم قدرة اقتصاده على التكيف، لا على الازدهار. لكنه أيضا عام تتشكل فيه فرص جديدة لمن يتعلم من دروس السنوات الماضية و لمن يقرأ التحولات مبكرا.  كل عام وأنتم بخير.

 
 
 

Comments


Search By Tags
Who Am I?

Dr. Amr Kais is a participating faculty at the AUC, a designated lecturer of various institutions, a Certified Management Consultant & Coach, also the founder and MD of Ipsos Egypt which is now the largest research company in Egypt and Middle East.

Other Posts
More on the web
Follow Me
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© 2016 Amr Kais

bottom of page