الرساله الأخيرة
- Amr Kais
- Nov 15
- 3 min read

على الرغم من أن والده كان عضواً بـالكونجرس الأمريكي إلا أن التدليل لم يعرف طريقاً اليه. و لم يستنكف الوالد رغم مركزه المرموق أن يعمل إبنه قبل بلوغ أحد عشر سنه في توزيع الجرائد اليومية على المنازل مقابل أجر 175 دولار في الاسبوع وبيع الطوابع وكرات الجولف المستعملة ليعتمد كلياً على نفسه. وحين بلغت مدخراته 53 ألف دولار في سن السادسة عشر, بدأ "وارين بافيت " رحلته في عالم الأعمال والاستثمار في الأسهم مؤسساً شركته “The Berkshire Hathaway” التي أدارها متبعاً مقولته الشهيرة" لا يمكن أن تعقد صفقة جيدة مع شخص غير جيد". و قد بلغت قيمة شركته حاليا أكثر من تريليون دولار، فيما تقدر ثروته ب 168.2 مليار دولار. وقد اعتاد مساهمو الشركة منذ عام 1965 على تلقي رسائل بافيت السنوية التي تمزج بين التحليل المالي العميق والحكايات الشخصية الطريفة بلغة بسيطة تخاطب المستثمر العادي قبل المحترف. ثم فاجأ بافيت الجميع الأسبوع الماضي برسالته الأخيرة؛ فقد قرر التقاعد طواعية بعد أن ظل حاضرًا في مكتبه خمسة أيام في الأسبوع، يقرأ ويكتب ويؤثر حتى أتم عامه ال95. فماذا كتب في تلك الرسالة الأخيرة التي أطلق عليها البعض: وداع حكيم من "عراف أوماها". و هو الإسم الذي ُأطلق عليه لبعد نظره و قدرته على قراءة المستقبل؟
"لقد حظيت بتأخر علامات تقدم السن، ولكن بمجرد ظهورها، لا يمكنني إنكارها. وبطبيعة الحال، فإن طول عمري (غير المتوقع) له عواقب لا مفر منها ذات أهمية بالغة لعائلتي ولتحقيق أهدافي الخيرية. فبقدر سعادتي أن جميع أبنائي قد تجاوزوا سن التقاعد، من الخطأ المراهنة أن الثلاثة ثلاثتهم، وهم الآن في أوج عطائهم، سيحظون بحظي الاستثنائي في تأخر تبعات الشيخوخة. ولتحسين احتمالية تصرفهم فيما سيمثل عمليا كامل تركتي، يتوجب على تسريع وتيرة منح التبرعات لمؤسساتهم الثلاث". فقد كشف المستثمر الأسطوري وارين بافيت عن خطته لإسراع التبرع بثروته البالغة 149 مليار دولار لصالح مؤسسات أبنائه الخيرية (أكبر تبرع في التاريخ). وأضاف " أنني أشعر بالرضا عن النصف الثاني من حياتي أكثر من النصف الأول. و نصيحتي ألا تعاتب نفسك على أخطاء الماضي، بل تعلم منها ولو قليلا ، وامض قدما. فلم يفت الأوان أبدا للتحسين. فالحكمة المتأخرة خير من الندم الأبدي. هيهات أن نكون مثاليين، لكن يمكننا دوما أن نكون غدا نسخة أفضل منا اليوم. وفي الواقع، لا تتحقق العظمة بجمع الأموال الطائلة ، أو الشهرة، أو النفوذ الحكومي. فعدنما تمد يد العون لشخص ما بأي طريقة كانت فإنك في الواقع تحسن صنعا للعالم وسواء كنت متدنيا أم لا، لن يكلفك اللطف شيئا، لكنه كفيل بأن يأسر قلوب من ُأسدى إليه. لقد إرتكبت العديد من الأخطاء، لكنني كنت محظوظا لأنني تعلمت من بعض الأصدقاء الرائعين كيفية التصرف بشكل أفضل. ومع ذلك، فلا زلت بعيدًا عن الكمال. ولنتذكر جميعا أن عاملة النظافة إنسانة شأنها شأن رئيس مجلس الإدارة." ثم عبر بافيت عن ثقته العميقة في خليفته، جريج آبل، الذي سيتولى منصب الرئيس التنفيذي مع مطلع عام 2026، واصفا إياه ب"المدير الرائع"، ومؤكدًا دعم أبنائه ومجلس الإدارة له لإدراكهم بأن الإدارة مسئولية وليست توريثا. كما انتقد ضمنيًا الثقافة السائدة في بعض الشركات، حين تتحول القيادة إلى إمتياز عائلي أو إستعراض إعلامي. كما انتقد بافيت ظاهرة تضخم رواتب الرؤساء التنفيذيين. و إستشهد بما حصل عليه إيلون ماسك من شركة تسلا. وهو نقد لا يأتي من موقع الحسد، فبافيت نفسه يتقاضى راتبًا سنويًا لا يتجاوز 100 ألف دولار، رغم أن ثروته تتجاوز 168 مليار دولار.
إن رسالة وارين بافيت الأخيرة ليست مجرد نهاية لمسيرة مهنية، بل دعوة لفهم أعمق لمعنى القيادة، الإستثمار، والإنسانية. لقد اختار بافيت الصمت، تاركا خلفه أصداء وأصوات لا تنسى: للحكمة، والتواضع، والالتزام الأخلاقي. إنها رسالة تستحق أن ُتدرس، لا أن ُتقرأ فقط.













Comments