العطاء و الشفافية
- 18 hours ago
- 2 min read

أسفرت نتائج مؤشر العطاء العالمي عن احتلال المواطن المصري المرتبة الثانية عالميا في العطاء، حيث تبرع عام 2025 ب2,4% من دخله للأعمال الخيرية وفق "”Charities Aid Foundation, CAF . وذلك على الرغم مما يمر به من معاناة بسبب التضخم والغلاء. وهو الامر المبهر، خاصة إذا علمنا أن معظم هذا العطاء يأتي من البسطاء. فمثلا 70% من التبرعات التي يحصل عليها مستشفى مجدي يعقوب تأتي من تبرعات البسطاء بمتوسط قيمة 300 جنيه للتبرع الواحد.
ولا يعد ذلك مستغربا لما يتمتع به العمل الخيري في مصر من تاريخ عريق. فقد تأسست أول جمعية خيرية في مصر في الاسكندرية عام 1821. وقد كان ولا يزال أحد أهم ركائز الأمن والسلام الاجتماعي، والشريان القادر على الوصول لكل قرى ونجوع مصر لسد الفجوات التي لا تقدر الجهات الحكومية على سدها في مجالات شديدة الأهمية مثل مكافحة الفقر وعلاج آثاره، والصحة والتعليم. وعلى الرغم من أنه يوجد في مصر أكثر من 52 ألف جمعية مسجلة الا أن نصف هذه الجمعيات لا تمارس أي نشاط وفق بيانات وزارة التضامن الاجتماعي. أما عن اجمالي حجم تبرعات المصريين السنوية حاليا، فلم انجح في الحصول على ارقام دقيقة لها من أي مصدر حكومي أو رسمي. وبغض النظر عن حجم هذه التبرعات المهول وفق التقرير السابق ذكره، فهي مال عام يملكه المواطن الذي يستقطعه من قوته لإيمانه بفضيلة العطاء. لذا، فإنه يستحق أن تتوفر له كل وسائل الاطمئنان لوصول تبرعه لمستحقيه وبأنه سيصرف في الغرض الذي تم التبرع من أجله.
و مع دخول شهر رمضان الفضيل، تنشط الجمعيات الأهلية في التنافس مع بعضها البعض طلبا لتبرعات المواطنين. ويقع المواطن فريسة لحملاتهم الإعلانية وللاستغلال العاطفي في غياب تام للمعلومات التي تمكن المواطن من التعرف على كفاءة تلك الجمعيات في تحقيق أهدافها على حساب تحقيق الثراء للقائمين عليها. ناهيك عن وقائع الفساد التي تم الكشف عنها ونعلمها جميعا. فيكفي ان نكتب " مؤسسة خيرية تستولي على أموال" على محرك البحث “google” لنسترجع الكثير من تلك الوقائع. وعلى ذكر هذه الوقائع، ينبغي أيضا التنويه على قاعدة عدم تخطي المصروفات الإدارية للجمعيات الخيرية بما فيها المرتبات والإعلانات ربع قيمة ما تحصل عليه من تبرعات. وهي القاعدة التي تضمن عدم حصول مستحقي التبرعات على الفتات مقابل تحقيق القائمين عليها الثراء الفاحش. فبتأمل تكلفة إعلانات رمضان فقط يصعب تخيل قيمة التبرعات التي تجعلنا نطمئن إلى تطبيق هذه القاعدة على أرض الواقع. واحقاقا للحق، لماذا نلجأ للتخيل طالما أن المال مالنا؟ فمن حقنا إلزام الجمعيات بالإفصاح تفصيليا عما تحصل عليه من تبرعات وما تنفقه من رواتب ومزايا وإعلانات؟ فإذا كان هذا الزاما على الشركات المقيدة في البورصة لأنها تحصل على اموال المساهمين، فلماذا لا يصبح من باب أولى لزاما على الجمعيات الخيرية التي تحصل على اموالنا ايضا؟ ريثما نصبح على بينة، و كي نختار الجمعية الأكثر كفاءة. فمثلا، لو لدينا جمعيتين لعلاج مرضى القلب أو السرطان وإحداها تستقطع نسبة أقل من التبرع لتغطية مصروفاتها عن الأخرى وتعالج عدد أكبر من المرضى، فهي بالقطع الأولى بالتبرع عن الأخرى. ومن حقي كمتبرع الحصول على تلك المعلومات.
إن أخطر ما قد يحدث في غياب الشفافية والرقابة الفعالة على الأنشطة الخيرية هو ضرب الثقة في العمل الخيري في مصر بوجه عام. وذلك رغم حاجتنا الماسة إلى الحفاظ على الأيادي البيضاء للعمل الخيري، ليستمر رافدا من روافد الخير والرحمة والعطاء، بل والسلام الاجتماعي. الأمر الذي يتطلب بديهيا قطع اليد الطولي لإثراء الأفاقين والمرتزقة.





Comments