الاقتصاد والمناخ
- Feb 7
- 2 min read

يشهد العالم اليوم تحولا جذريا في كيفية تعامل الإقتصاد مع قضايا المناخ، ولعل أبرز ملامح هذا التحول ظهور أدوات جديدة تحمل في ظاهرها بعدا بيئيا و في باطنها أبعادا حمائية لإعادة تشكيل التجارة الدولية. و تعتبر آلية تعديل الكربون على الحدود (CBAM) الأكثر تأثيرا بين هذه الأدوات. و هي الآلية التي أقرها الإتحاد الأوروبي في شهر يوليو من عام 2021 و بدأ التطبيق الفعلي للمرحلة الإنتقالية لها في أكتوبر 2023 . ففي هذا السياق، يطالب المستوردين الأوروبيين الإفصاح عن الانبعاثات الكربونية المصاحبة للمنتجات التي يستوردونها ليبدأ التحصيل المالي الكامل في عام 2026. ووفق هذه الآلية يتم فرض سعر كربوني على السلع المستوردة إلى الإتحاد الأوروبي، بحيث يعادل السعر المفروض على المنتج الأوروبي داخل نظام تداول الإنبعاثات ETS. وتشمل المرحلة الأولى قطاعات كثيفة الإنبعاثات مثل الحديد والصلب، الأسمنت، الألومنيوم، الأسمدة، الكهرباء والهيدروجين. وعلى الرغم من أن الآلية قد تم تقديمها كأداة بيئية تهدف للحد من تسرب الكربون، إلا أن تأثيرها الفعلي يمتد ليطال الدول المصدرة للإتحاد الأوروبي، وعلى رأسها مصر، التي تعتمد قطاعات صناعية أساسية فيها على التصدير للسوق الأوروبية التي تعد السوق الأولى للصادرات المصرية؛ حيث إستقبلت 26.5% من إجمالي الصادرات المصرية عام 2024.
تعتمد صناعات عديدة حاليا في مصر على مصادر طاقة تقليدية. وأبرز هذه الصناعات الحديد والصلب، الألومنيوم، الأسمدة، والمنتجات كثيفة الطاقة، ما يجعل الانبعاثات المصاحبة للإنتاج أعلى مقارنة بنظيراتها الأوروبية. ومع تطبيق CBAM، و في حال عدم قدرة الشركات المصرية على الامتثال لمتطلبات CBAM ستتحمل تلك الشركات تكلفة كربونية إضافية ستقلل من قدرتها التنافسية. و هو ما قد يجعل الشركات الأوروبية تتجه إلى موردين آخرين أو إلى الإنتاج المحلي. الأمر الذي قد يهدد حصص مصر التصديرية في قطاعات حيوية. ولعل هذا الملف بما يشمله من جوانب متعددة يصلح لأن يكون بإمتياز إختبارا حقيقيا على قدرة الوزارات والأجهزة الحكومية المصرية على التنسيق فيما بينها للتعامل مع تلك الجوانب المتعددة. فالموقف يتطلب التنسيق بين وزارات الخارجية والصناعة والتجارة الخارجية والتعاون الدولي والبيئة والأجهزة التابعة لكل هذه الوزارات كل فيما يخصه، لتطوير منظومة ومنصة وطنية موحده لقياس الانبعاثات (MRV) واعتماد جهات محلية قادرة على إصدار شهادات معترف بها أوروبياً.علاوة على ضرورة توفير دعم مالي وفني للقطاع الصناعي، الذي يحتاج إلى برامج تمويل ميسرة لتحديث خطوط الإنتاج واعتماد تقنيات أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، وهو ما يتطلب التعاون مع مؤسسات دولية. ناهيك عن التفاوض مع الاتحاد الأوروبي للحصول على فترة انتقالية أطول، وبالطبع تسريع التحول للطاقة النظيفة.
وختاما، فإن هذا الملف يصلح أيضا لأن يكون موضوعا لطلب إحاطة في البرلمان، لمعرفة ما تم انجازه فيه من قبل الوزارات المذكورة منذ أن تم إقرار تلك الآلية من قبل الاتحاد الأوروبي منذ يوليو عام 1202 وحتى الآن. فما كان يجب انجازه منذ ذلك الوقت وحتى اليوم لا يقتصر على الامتثال للآلية، بل إستثمارها كحافز لتحديث الصناعة المصرية، وتحويل التحدي إلى فرصة للنمو الأخضر، بما يضمن استمرار حضور الصادرات المصرية في الأسواق الأوروبية، ويعزز من مكانة مصر في الاقتصاد العالمي منخفض الانبعاثات. فالتحول إلى الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر لم تعد خيارات بيئية فقط، بل ضرورة اقتصادية لتعزيز قدرتنا التنافسية على المدى القصير والبعيد.













Comments