top of page

فقر الفكر

  • Writer: Amr Kais
    Amr Kais
  • 6 hours ago
  • 2 min read
ree

في نفس الوقت الذي كانت تذاع فيه الحملة الإعلامية التمهيدية لافتتاح المتحف المصري الكبير التي تبرز الحضارة المصرية القديمه بعظمتها وشموخها واعتزازنا وتقديرنا لها متمثلا في بناء هذا الصرح العظيم، كانت تذاع حمله إعلامية أخرى بالتوازي لحث المواطنين على عدم التخريب المتعمد لمرافق السكه الحديد بكافة صوره التي نعاني منها. كما أننا شهدنا بمجرد افتتاح المتحف بعض التصرفات العبثية من قبل بعض رواده. وهو ما يذكرنا بالتناقض الصارخ الذي نعيشه، وبحقيقة أننا مهما استثمرنا في بنى أساسية سنستمر في دفع فاتورة الجهل.  فالحقيقة الصادمة هي أن جزء كبير من المواطنين يمثل اليوم عبئاً على الدولة، لا لذنب إقترفوه، بل لغياب الإستثمار الحقيقي في تعليمهم وتطوير مهاراتهم. والحقيقة أن هذا العبء ليس اقتصادياً فقط، بل حضارياً أيضاً.   فحين يعجز المواطن عن إيجاد فرصة عمل توفر له متطلبات الحياة الكريمة بسبب ضعف تأهيله، يصبح معتمداً على الدعم الحكومي، سواء في صورة بطاقات تموين أو إعانات مباشرة أو غير مباشرة. هذا الإعتماد لا يرهق فقط موازنة الدولة، بل يخلق ثقافة إتكالية تقتل روح المبادرة وتضعف الإنتاجية. ولا تتوقف المشكلة عند الاقتصاد فقط.  فالجهل ينتج سلوك اجتماعي مدمر و نمط حياة غير صحي يرفع من فاتورة العلاج في المستشفيات العامة. أضف إلى ذلك الخسائر البشرية والمادية التي نتكبدها بسبب الحوادث المرورية الناتجة عن غياب الوعي والثقافة المرورية، وصولا إلى السلوكيات العبثية مثل رشق القطارات الجديدة بالحجارة، أو التصرفات غير اللائقة في المتحف المصري الكبير، والتي تعكس فجوة هائلة بين ما نطمح إليه كدولة حضارية، وما نراه على أرض الواقع.

ولا تعد كل هذه المظاهر قدرا بقدر ما هي نتيجة مباشرة لسنوات من التهميش التعليمي، وغياب الرؤية طويلة المدى لبناء الإنسان. فحين يختزل التعليم في شهادة ورقية، دون ثقافه ومهارات حقيقية، يصبح الخريج عاطلاً يحمل عبء شهادته على كتفيه، بدلاً من أن تكون جواز عبور إلى سوق العمل. ولعل الدليل الحي على ما يمكن أن يفعله التعليم حين يستثمر فيه بجدية المصريون في الخارج. فهذه الفئة التي َتلقى المنتمون إليها تعليماً جيداً أو طوروا أنفسهم بجهد شخصي، يرسلون اليوم تحويلات قياسية تعد من أهم مصادر النقد الأجنبي للإقتصاد المصري. هؤلاء لم يكونوا عبئاً، بل أصبحوا أصولاً وطنية منتجة تسهم في دعم الاقتصاد، دون أن يكلفوا الدولة شيئاً.  فالتعليم هو نقطة التحول التي تحيل المواطن من مستهلك إلى منتج للقيمة.. من عبء على الموازنة إلى مساهم في الناتج المحلي.. من مصدر للإحباط إلى مصدر للفخر. لكن هذا لن يتحقق إلا إذا تغيرت نظرتنا للتعليم من كونه عبئاً مالياً على الدولة، إلى كونه إستثماراً طويل الأجل في رأس المال البشري.  نحتاج إلى تعليم يعلم التفكير ، لا الحفظ . ينمي المهارات، لا يراكم المعلومات. يخرج مواطناً قادراً على التفاعل مع العالم، لا مجرد حافظ لمناهج عفا عليها الزمن. نحتاج إلى ربط التعليم بسوق العمل، وإلى إعادة الإعتبار للتعليم الفني والمهني، وإلى معلمين مؤهلين، ومناهج تواكب العصر، ومدارس تخرج أجيالاً قادرة على المنافسة، لا الهروب إلى التيك توك والمخدرات والبلطجة والتواكل والعشوائية.

يبدأ التحول من تغير نظرتنا للتعليم، من بند قابل للتقليص في الموازنة، إلى بنية أساسية لا غنى عنها وأولوية وطنية. ومن وعي مجتمعي بأن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الوحيد للتنمية الحقيقية. ومن إيمان راسخ بأن كل جنيه ينفق على التعليم، هو إستثمار في أمننا، وإقتصادنا، ومستقبل أولادنا. عندها فقط ستتوافر الإمكانيات.  فالمشكلة تكمن دائما في فقر الفكر أو فكر الفقر و ليس في  فقر الأموال.

 
 
 

Comments


Search By Tags
Who Am I?

Dr. Amr Kais is a participating faculty at the AUC, a designated lecturer of various institutions, a Certified Management Consultant & Coach, also the founder and MD of Ipsos Egypt which is now the largest research company in Egypt and Middle East.

Other Posts
More on the web
Follow Me
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© 2016 Amr Kais

bottom of page