عصر الاضطراب
- Feb 11, 2023
- 2 min read

لا شك أن التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي التوليدي “Generative artificial intelligence" الذي تناولناه باستفاضة في المقال السابق سيكون له أثرا عظيما في تشكيل ملامح العصر الذي بتنا نعيشه حتى من قبل حدوث هذا التطور. و هو العصر الذي يطلق عليه عن استحقاق لقب" عصر الاضطراب" "Age of Disruption " لما يتسم به من تواتر متسارع في كافة المجالات. ففي مثل هذا العصر، يتوالى الاضطراب فيما ألفناه سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعيا. و هو ما يجعل الكثير مما تعلمناه غير ذي صلة بما نشهده من تطور وتحديات متسارعة، وبالتالي تفقد الكثير من خبراتنا قيمتها وصلاحيتها في اعانتنا على التعامل مع تلك المستجدات. فلم يعد زوال أكثر من مليار وظيفة، وهي تعادل ثلث الوظائف الموجودة حاليا في العالم لتحل محلها الحلول التكنولوجية خلال العشر سنوات القادمة خيالا بقدر ما أصبح واقعا ملموسا. يحدث هذا في الوقت الذي ما زلنا نستعين فيه بنظم تعليم و معلمين بعقلية القرن العشرين لإعداد الشباب لسوق عمل القرن الواحد و العشرين. و هو ما يزيد الفجوة اتساعا أكثر مما يتصور الكثيرون. كما أن الأجيال الحالية و القادمة و على عكس الأجيال السابقة لن تنخرط في عمل واحد فقط على مدار سنوات حياتها الوظيفية. والمقصود هنا ليس فقط الانتقال من شركة إلى أخرى، و إنما تغيير نوعية و طبيعة العمل نفسه عدة مرات بغض النظر عن الانتقال من شركه لأخرى من عدمه. و هو ما يتطلب إعدادهم بشكل مختلف يضمن نجاحهم في هذا التحدي. ناهيك عن حقيقة أن الشركات و أصحاب الأعمال لم يعد يعنيهم الشهادات التي يحصل عليها الخريجون أو أسماء الجامعات المرموقة التي يتخرجون منها بقدر ما يعنيهم نوعية تخصصاتهم و مهاراتهم و مستواها. فقد عدلت بالفعل الكثير من الشركات العالمية المرموقة والتي تعمل في مجالات مختلفة مثل“Google” و “IBM” و “Hilton” و “Starbucks” و غيرها سياسات التوظيف الخاصة بها لتترجم هذه القناعة إلى واقع ملموس. و عليه، لم يعد يقتصر اعتماد الشباب على الجامعات في التعلم واكتساب المهارات المطلوبة بل امتد ليشمل الكثير من منصات التعليم الرقميه مثل “Coursera” و “Udemy” و “edx” و غيرها. الأمر الذي جعل جامعات مرموقة مثل "هارفارد" و "أكسفورد" و"ستانفورد" تدمج بعض ما تقدمه تلك المنصات في مناهجها التعليمية.
وعن التخصصات الأكثر طلباً، فهناك اجماع على أنها ما ُيعرف "بالblockchain" و الحوسبة السحابية و الذكاء الاصطناعي وعلوم تحليل البيانات، و التسويق الرقمي و “affiliate marketing” . أما المهارات فتشمل: الابتكار و التأقلم والاقناع و الذكاء العاطفي، وحل المشاكل و التعاون مع فريق العمل. و ذلك وفق نتائج دراسة تمت مؤخرا للتعرف على التخصصات والمهارات الأكثر طلباً عن طريق تحليل بيانات أكثر من 660 مليون شخص و 20 مليون إعلان توظيف على منصة “LinkedIN” . أخيرا وفيما يعرف بالسمات الشخصية المطلوبة للتكيف مع عصر الاضطراب ووفق دراسة قامت بها جامعة نيويورك، فلدينا ما يعرف بـ”learning agility” و هو المرونة في القدرة على التعلم المستمر، و الصلابة “Resilience” و التفاؤل أيضا.
لم يكن ما سبق استشرافا للمستقبل بقدر ما هو إقرارًا للواقع الذي يعيشه العالم و هو الواقع الذي يفرض علينا تغيير الواقع الذي نعيشه في مصر بل و تغيير أنفسنا اولا.





Comments