المفاهيم والواقع
- عمرو قيس
- Mar 6, 2018
- 2 min read

في كثير من الأحيان، يبدأ الطريق إلى الحل والإصلاح بتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة أولاً. وهو ما ينطبق الي حد كبير على معضلة النهوض بالمواصلات العامة وبالمترو تحديداً. ولعل أول هذه المفاهيم هو الاعتقاد السائد بانها تخص وتستهدف الفقراء وغير القادرين فقط، ولكن إذا ما تأملنا المستفيدين من مرفق المترو في العالم نجد عكس ذلك تماماً، حيث ينقل مرفق المترو في سنغافورة 600 مليون راكب سنوياً وهي التي يتجاوز عدد سكانها ال 5 مليون نسمة. وكذلك مدريد حيث ينقل 1.5 مليار راكب بينما يبلغ عدد سكان المدينة 6.5 مليون نسمة. وكذلك مترو باريس الذي ينقل نفس العدد سنوياً؛ لاسيما أن حتى القادرين يجدون فيه وسيلة أكثر سرعة وراحة من سيارتهم الخاصة ويوفر عليهم مشقة البحث عن أماكن لانتظار سيارتهم. وفي المقابل، يكون لديهم استعداد لدفع قيمة اعلي لشراء راحتهم. وهو ما أدركته حكومة دبي التي خصصت عربات مميزة في كل قطار بمقابل أعلي لزيادة موارد المرفق من ناحية ولإرضاء تلك الشريحة من العملاء من ناحية أخري. ناهيك عن توفير دورات مياه نظيفة وتجهيزات ملائمة لذوي الاحتياجات الخاصة وخدمة الواي فاي كما هو الحال في محطات هونج كونج. وبتأمل وتحليل الأرقام السابقة الخاصة بمرفق المترو في تلك الدول، نجد أنه يعتبر من أهم مقومات البنية الأساسية لقطاع السياحة؛ حيث يزيد في بعض من هذه الدول عدد السائحين من مستخدمي المترو عن أهل المدن نفسها، وهو ما يسهم بشكل كبير في تنشيط هذا القطاع الهام. ولا تنحصر موارد هذا المرفق في هذه الدول فقط على إيرادات التذاكر: حيث يحقق حسن استغلال الأصول والمواقع الاستراتيجية للمحطات إيرادات كبيرة من الأنشطة الدعائية أو التجارية الراقية ذات المظهر الحضاري.
وبقياس ما سبق على مصر، نجد على سبيل المثال أن الرحلة من المعادي الي ميدان التحرير تستغرق أقل من 20 دقيقة بالمترو، بينما تستغرق ساعة وربع بالسيارة، ناهيك عن عناء البحث عن مكان لانتظار السيارة. وهو ما قد يجعل الكثيرين على أتم استعداد لدفع 30 جنيه أو أكثر مقابل هذه الرحلة في عربة مميزة بدلاً من 2 جنيه وهو السعر الحالي للتذكرة. مما سيزيد من موارد هذا المرفق وتحسين الخدمات المقدمة منه لذوي الدخل المحدود دون الاضطرار لرفع سعر التذكرة عليهم. وما ينطبق على المعادي يسري أيضاً على سكان مصر الجديدة والزمالك مستقبلاً وغيرها من المناطق. بل، وسيسهم أيضاً في تحقيق سيولة مرورية ملحوظة نتيجة لاستخدام الكثير للمترو بدلاً من سياراتهم الخاصة. ناهيك عن تقديم إضافة ملموسة للبنية الأساسية لقطاع السياحة. وبالطبع يكفي أن نري الحالة المتردية والعشوائية لمحطات المترو ومداخلها ومخارجها لنلمس كم التطوير الممكن عمله ولنقدر مدي مشروعية مخاوف سكان حي الزمالك من وصول المترو إليها بالشكل العشوائي الحالي لمحطاتها.
أما المفهوم الخاطئ الأخر فهو إنه طالما أن المترو وسيلة مواصلات زهيدة السعر فإنه ليس في الإمكان أفضل مما كان من حيث جودة الخدمة وانضباطها. وهو عكس ما نراه في مترو مدينة نيو دلهي بمحطاته ال 160 رغم تطابق ظروفها الكبير مع مصر. فقد احتل مترو دلهي المركز الثاني عالمياً في ارضاء العملاء، محققا دقة في التشغيل تصل إلى 99.9%. وحتى في مجال البيئة والتنمية المستدامة، حصل على جائزة الأمم المتحدة لنجاحه في تقليل انبعاث ثاني أكسيد الكربون بمعدل 57000 طن يومياً.
تصحيح الواقع يبداْ من صحة المعتقدات والمفاهيم.













Comments