د/ صبري الشبراوي

قد تأتينا أحياناً النعمة او البركة متنكرة في صورة شخص ما تسمح لنا الأقدار بلقائه دون موعد أو ترتيب. فيصبح هذا اللقاء القدري نقطة تحول في حياتنا بشكل أو بآخر. وعلى الرغم من أنه قليلاً ما نصادف هؤلاء الأشخاص إلا أن تأثيرهم في حياتنا يكون عميقاً وكبيراً. لم تكن معرفتي بالدكتور صبري الشبراوي تزيد عن إنه زميل لوالدي رحمه الله في عضوية مجلس الشورى بالتعيين إضافة الى جيرتنا في نفس الشارع في حي المعادي الذي كان يعرف يوماً ما بالحي الهادئ. الى أن حضرت له أول محاضره في مادة التسويق ضمن دراسة الماجستير في الجامعة الأمريكية منذ أكثر من 26 عاماً مضت. لم تزد توقعاتي في هذا الوقت عن الإلمام بعلم التسويق من أحد أساتذتها المقدرين وهو الدكتور صبري. لكن ما أن أطل علينا في أول محاضره إلا وأدركت بأن الفائدة لن تقتصر فقط على تعلم مبادئ التسويق، بل ستفوق ذلك بكثير لتشمل أبعاد كثيرة في هذا العلم الذي ُيعنى بخلق القيمة وتغيير السلوك نحو الأفضل وزيادة القدرة التنافسية. وهي الأبعاد التي لم يدركها الكثيرون من العاملين في هذه المهنة حتى الآن. وتشمل أيضاً أفكاراً كثيرة غير تقليدية في علم الإدارة والحياة بشكل عام.
فقد كان يطل علينا متألقاً كأحد نجوم هوليوود وكان حضوره طاغياً يحرك المياه الراكدة بأفكاره غير التقليدية. وكيف لا وقد كان يقول لنا دوما بأن المسوق الناجح يجب أن يبدأ أولاً بتسويق نفسه وأفكاره بنجاح، لأننا لا يمكن أن نأتمن شخص ما على تسويق سلعنا أو خدماتنا أو أفكارنا وهو لم ينجح في تسويق نفسه في المقام الأول ليصبح مقروناً بحضور باهت غير مؤثر وأفكار مملة ومكررة. وكان يعلمنا بأن "الرؤية" "Vision" هي ما يصنع الفارق بين الأشخاص والمؤسسات والدول وكان مثاله الأشهر هو الفارق بين مطعم الكباب والكفتة المصري الشهير الذي كان يكتب في كل إعلاناته عبارة " ليست لنا فروع أخرى" والتي تعبر عن رؤيته. وعلى الرغم من أن هذا المطعم أفتتح في الستينات وهو نفس وقت إنشاء شركة ماكدونالدز والتي تبيع كفتة أيضاً ولكن برؤية مختلفة مكنتها من إنشاء 38000 مطعم في كل أنحاء العالم لتخدم يومياً ما يقرب من 70 مليون عميل، بينما ظل مطعمنا الشهير قابعاً في شارع القصر العيني معتزاً بلافتة "ليس لنا فروع أخرى"!!
وقد شرفت بأن توطدت علاقتي بالدكتور صبري الشبراوي كثيراً منذ ذلك الحين لكي أصبح قريباً منه بما يسمح لي بالاستفادة من أفكاره وتجاربه الحياتية إضافة الى علم التسويق أيضاً. وكذلك نصائحه التي كانت تبدأ ب “يا قيس" كما كان يحلو له أن يناديني. وهي بلا شك نصائح وتجارب قيمة وثرية منذ أن درس في أكبر جامعات أمريكا وقرر العودة الى مصر منذ 30 عاماً مضت ليثرى الحياة العامة بآرائه المختلفة والصادمة في أحيان كثيرة، وهو المطلوب لفتح أعيننا لأمور لم نعتد على تأملها بشكل مختلف. فهو صاحب المقولة الشهيرة " البشر قبل الحجر" للتنبيه بأهمية التنمية البشرية وأثرها على المستقبل. كما أنه كان يرى أن ثقافة الإدارة لدينا تعمل على خدمة المديرين وتركيز السلطات في أيديهم بما يجعل العاملين ينصرفون عن الإبداع والتفاني في عملهم إلى تقديم فروض الولاء والطاعة لمديريهم. ما يؤدى إلى انخفاض فرص الحوار وانعدام تباين وتعدد الأفكار، بما يؤدى الى التخلف الذي يعم على المدير والمرؤوسين على حد سواء.
وقد أستطاع الدكتور صبري هزيمة المرض الذي ألم به منذ سنوات بإرادته القوية وروحه القتالية وظل يلمع ويشع بأفكاره حتى يومنا هذا من خلال مقالاته وندواته وكتبه ولقاءاته التليفزيونية. إلا انه عندما حصل على جائزة النيل صرح بأنه حزين لأنه يشعر بأن مصر لم تستفد به بالقدر الكافِ. لذا يجب على ختاما أن أقول له بأنك يجب أن تفتخر ولا تحزن لأن أفكارك قد أثرت في حياة الكثيرين وأنا منهم. وبأنني كلما وقفت مكانك لتدريس المادة المحببة إلى قلبك أذكر نفسي دوماً بأني أقف مكان أستاذ عظيم، وأحرص على نقل أفكارك القيمة للطلاب مقرونة باسمك لتؤثر فيهم كما أثرت فينا، وإن كنت مع الأسف لا أبدو كنجوم هوليوود مثلك. متعك الله بالصحة والعافية.





Comments