ثراء الأفكار

في السنوات الماضية، كان من أهم سمات المنافسة الاقتصادية بين الدول محاولة توفير مناخ ملائم لاستقطاب رؤوس الأموال والشركات الأجنبية الكبرى للاستثمار في تلك الدول أكثر من دول أخرى. الآن، أصبح توفير ذلك المناخ من المسلمات والأساسيات، لأن الوصفة باتت معروفة ومنفذه في الكثير من دول العالم. ومن ثم، لم تعد تلك هي الميزة التنافسية الكبرى التي تميز دولة عن أخرى بالشكل الذي ينعكس على اقتصادها بالازدهار والنمو. وهو ما حدا بالكثير من الدول للارتفاع بمستوى التنافس الاقتصادي الى مستوى آخر من خلال توفير بيئة صحية ومشجعة لتحفيز واحتضان مبادرات الأعمال والشركات الناشئة. ولا يأتي ذلك من فراغ بالطبع، ولكن مما أثبته الواقع بأن الأحلام والأفكار الثرية تخلق مستقبلاً ثرياً. فشركة "جوجل" صاحبة القيمة السوقية الاعلى في العالم، لم تكن سوى فكرة ثرية لدى "لاري بيج" وكذلك شركة "أبل" التي أسسها " ستيف جوبر" في جراج منزله. لقد تحولت تلك الأفكار الى روافد رئيسية للاقتصاد الأمريكي بقيمتها ومنتجاتها والاستثمارات التي نجحت في جذبها من المستثمرين من كل أنحاء العالم، أضف الى ذلك فرص التشغيل والعمالة.
وبعيداً عن أمريكا، فقد تحولت شركة "على بابا" الناشئة الى الشركة صاحبة أعلى قيمة طرح عام للأسهم في التاريخ عام 2014 بقيمة 25 مليار دولار، ولم تتوقف عند هذا الحد، بل بلغت قيمتها السوقية الآن 36 مليار دولار. ولأن قيمة اقتصاد أي دوله أصبح محصلة قيمة شركاتها والقيمة التي تمثلها، فإن شركة “على بابا" لم تكن الحالة الوحيدة للتحول من شركة ناشئة الى شركة كبرى في الصين، بل لدينا " Baidu" و " Tencent"والكثير غيرها. كما أن هناك شركة ناشئة جديده وهي "Meituan" والتي أصبح يعمل لديها أكثر من 600000 موظف وتخدم 400 مليون عميل في السنة في مجال توصيل الطلبات عن طريق منصتها الإلكترونية، والتي يتوقع أن يصل حجم مبيعاتها الى 800 مليار دولار خلال الخمس سنوات القادمة. وبالطبع، يشكل كل ما سبق دماء جديدة ُتضخ في شرايين الاقتصاد الصيني. وجميعها ليست ظواهر فردية، لكن نتاج استراتيجيات واضحة ومحدده تهدف الى استقطاب ذوي الأفكار وشركاتهم الناشئة واحتضانهم وتوفير البيئة الخصبة لتمويل تلك الأفكار لمؤسسات عالية القيمة.
وفى منطقتنا العربية، أدركت بعض الدول مبكراً في مقدمتها دولة الإمارات أهمية الدخول في هذا السباق بقوة، وبدأت بالفعل تجنى بعض ثمار ما زرعت في هذا المجال. فها هي احدى الشركات الناشئة التي احتضنتها وهي شركة" كريم" تنجح في ضخ 3.5 مليار دولار في شريان الاقتصاد الإماراتي، وهي قيمة استحواذ شركة "اوبر" عليها. وعندما أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي "World Economic Forum" مؤخراً عن أفضل 100 شركة عربية ناشئة ستشكل مستقبل المنطقة في عصر الثورة الصناعية الرابعة، كان مقر 21 شركة من هذه الشركات في دولة الإمارات. ولم تكتف بذلك، بل أعلنت عن منحها باقي تلك الشركات ومؤسسيها إقامة فورية لمدة خمس سنوات، وذلك لتشجيعهم على الانتقال والعمل فيها. وأصدرت كذلك تشريعاً يلزم الحكومة بمنح 20% من مناقصاتها للشركات الناشئة.
من الجدير بالذكر أن ضمن ال 100 شركه السابق ذكرها 17 شركه مصرية وهو الأمر الذي يعد شيئاً واعداً ومشرفاً، إلا إذا قررت هذه الشركات قبول دعوة حكومة الإمارات الكريمة والانتقال اليها بدلاً من العمل في مصر. ليصبح السؤال هو ماذا نحن فاعلون للوقوف في سبيل ذلك من ناحية وفي سيبل مضاعفة عدد تلك الشركات المصرية الواعدة وتعظيم قيمتها من ناحية أخرى؟!





Comments