مبادرات أم انتظار؟

مع انتشار وباء الكورونا وآثاره، تركزت أغلب المبادرات المجتمعية الحكومية والمؤسسية وحتى الفردية على تخفيف التبعات الاقتصادية على العمالة اليومية المؤقتة التي فقدت مورد رزقها عن طريق التبرع بالإعانات المادية والعينية. وهو بالطبع امر مطلوب ومحمود، خاصة في الايام الأولى للأزمة. ولكن لا يمكن ان يمثل ذلك أفضل أسلوب لدعم تلك العمالة فيما بعد. كما لا يمكن أن تتركز كل المبادرات في تخفيف اثار الوباء دون وجود مبادرات مماثلة للحد من انتشار الوباء نفسه وتقليل الفترة الزمنية اللازمة للتخلص من آثاره. ومن هذا المنطلق قد يكون من المفيد إلقاء نظرة سريعة على امثلة من بعض المبادرات حول العالم التي قد تحمل في طياتها افكاراً مفيدة ومختلفة يمكن الاستفادة منها.
ففي مجال تخفيف الآثار ومساعدة العمالة المؤقتة التي باتت بلا عمل، قررت الحكومة الباكستانية توفير دعم نقدي وقدره 3 دولار يوميا لكل عامل مقابل زراعة الأشجار لتقليل اثار التغيرات المناخية الحادة بسبب الاحتباس الحراري. فقد كان المستهدف زراعة 10 مليار شجرة، وهو ما وفر63600 فرصة عمل لها مردود بيئي واقتصادي هام من ناحية، ومردود معنوي واخلاقي من ناحية أخرى، وهو حفظ كرامه وكبرياء تلك العمالة، وعدم ترسيخ مبدأ الحصول على المال دون أداء عمل في المقابل.
أما فيما يتعلق بالحد من انتشار الوباء ومكافحته، فما برحت شركة “Telenor” النرويجية - التي تعمل في مجال شبكات الاتصال المحمول - تمد السلطات الصحية بخرائط محدثة كل ست ساعات للأماكن التي يوجد بها كثافات بشرية للتدخل والحد من مخاطر العدوى والمساعدة على احتواء الوباء وتتبعه. كما بادرت بعض شركات الازياء الشهيرة مثل “Zara” و“H&M” باستغلال خطوط إنتاجهم في صناعة الملابس الطبية الواقية. أما “Louis Vuitton” و “Bulgari” فقد خصصتا جزء من خطوط انتاج العطور لإنتاج مطهرات الأيدي. وكذلك فعلت شركتي “P&G” و “Unilever” المتخصصتان في إنتاج مساحيق الغسيل، وشركة “AB Bev” (الشركة الأولى في إنتاج البيرة) التي خصصت جزء من طاقتها لإنتاج المطهرات بأنواعها المختلفة. وفي ذات السياق، استغلت شركة “Coca Cola” ماكينات صناعة العبوات البلاستيكية في تصنيع دروع الوجه البلاستيكية للأطباء.
أما شركة “Airbus” لتصنيع الطائرات، فقد قامت بتكريس جزء من أسطولها لنقل الملايين من المستلزمات الطبية من الصين إلى فرنسا ومنها إلى العديد من الدول الأوروبية. وقامت شركة “Tata” الهندية بإنتاج وتوزيع برامج الكمبيوتر للتعليم عن بعد للطلبة. بينما قامت شركة “Lego” الشهيرة في مجال لعب الاطفال بإنتاج ألعاب تعليمية لتوزيعها على الاطفال اللاجئين.
وبالطبع، فهذه الشركات لا تقوم بهذه المبادرات بدافع من مسئوليتها المجتمعية فقط، ولكن لإدراكها التام بأن مصلحتها تكمن في انحسار هذا الوباء بأقصى سرعة ممكنة لتعود الأمور لطبيعتها وتعود هي لربحيتها. وهو ما يدفعها للتفكير في كيفية الاسهام في تحقيق ذلك كل في مجاله والعمل عليه بدلا من الاكتفاء بالنحيب والبكاء والانتظار. ولا شك أيضًا أن لدينا في مصر شركات تعمل في نفس مجالات الشركات السابق ذكرها، وبالتالي لا يوجد ما يمنعها من القيام بمبادرات مماثلة إن أرادت. فهل تريد؟





Comments