ليس فقط بالمباني

يصعب انكار حقيقة أن الكثير من العادات الحميدة التي اكتسبها العديد منا بسبب "كوفيد 19" لا ترتبط فقط بعامل الوقاية من الوباء بقدر ما هي عادات صحيحة و صحية أصيلة كان يجب أن تكون موجودة بغض النظر عن خطر الفيروس مثل: العادات المرتبطة بالنظافة الشخصية وممارسة الرياضة و غيرها مما أجبرنا هذا الفيروس على ادراك أهمية اكتسابها. لذا، قد يكون مؤسفا جدا أن تزول هذه العادات بزوال هذا الوباء بإذن اللة فنفقد بذلك تلك المزايا الايجابية المحدودة التي حصلنا عليها في خضم كل السلبيات التي عانينا و لا نزال نعاني منها بسببه.
و ما يسري على مستوى الاشخاص و عاداتهم الشخصية يسري أيضًا على مستوى الدول بقطاعاتها المختلفة. ولعل التعليم كان له نصيب الأسد في الحاجة لترشيد عاداته والبحث عن طرق أكثر فاعلية لتعليم الطلاب و تقييمهم بعيدا عن الوسائل التقليدية التي تعتمد على تواجد الطلاب المستمر داخل القاعات الدراسية في المدارس والمعاهد و الجامعات. و كما لم يكن كل الناس بحاجة إلى وباء الكورونا لتنبيههم بأهمية العادات الصحية السابق ذكرها ، كانت هناك أيضا دول لها السبق في تطبيق طرق أكثر فاعلية في مجال التعليم، محققة بها نتائج باهرة قبل ظهور الوباء. تأتي على رأس هذه الدول سويسرا التي احتلت المرتبة الاولى في إكساب شبابها المهارات المطلوبة في سوق العمل، وكذلك المرتبة الأولى في التعليم الفني والتدريب الوظيفي On Job Training. ومن ثم، المرتبة الأولى في التوظيف طبقا لتقرير التنافسية العالمي الاخير الصادر من المنتدى الاقتصادي العالمي. وهو ما جعل سويسرا تحتل المركز الخامس في الترتيب العام للتنافسية العالمية من بين ال 141 دولة. فما أن يبلغ الشباب سن ال 16 سنه يتم تقسيم وقتهم في التعليم على ثلاث جهات، وهي قاعات الدراسة والتعليم والأبحاث عن طريق الانترنت و العمل في الشركات والانخراط في وبرامجها التدريبية. وبذلك، يقضي الطالب ثلث وقته فقط في قاعات الدراسة بينما تفتح 70% من مؤسسات الأعمال سواء: من شركات أو مصانع وبنوك ومستشفيات وغيرها أبوابها لهؤلاء الشباب للعمل فيها عملاً فعلياً وحقيقياً مثل الذي يقوم به حديثي التخرج تحت إشراف موظفي هذه الشركات لثلاث أو أربع مرات في الأسبوع مع انخراطهم في برامج تدريبية مع موظفي الشركة. ونظير ذلك ، يحصل الطالب على ثلث راتب الخريج مقابل العمل الحقيقي الذي يقوم به، ويستمر ذلك لمدة أربع سنوات ليتخرج بعدها الشاب مؤهلاً تماماً للعمل بدوام كامل مقابل راتب كامل كل في مجاله.
وتستفيد الشركات في ظل هذا النظام بحصولها على عمل حقيقي من هؤلاء الطلاب بمقابل يقل عن رواتب الموظفين العاديين. لكن الفائدة الأهم تكمن في حصول الشركات على موظفين مدربين ومؤهلين وفقاً لاحتياجاتها الفعلية. ومن ناحية أخرى، يستفيد الطلاب بالإضافة الى المقابل المادي باكتساب الخبرات والمهارات المطلوبة و فرصة الحصول على وظيفة فورية. حيث يتم معاملتهم من قبل مسئولي هذه الشركات معاملة الموظفين فيتعلمون تحمل المسئولية كالخريجين وإلا لن يتم منحهم شهادات التخرج في نهاية المدة ولن يتم توظيفهم. و تستفيد المؤسسات التعليمية بزيادة الطاقة الاستيعابية لها ثلاثة اضعاف بهذا الأسلوب مقارنة بالأسلوب التقليدي . وبعبارة أخرى، فحضور الطالب يومان في الأسبوع لقاعة الدراسة بدلا من الحضور اليومي يفسح المجال لاستيعاب طلاب آخرين في الأيام الأخرى، بما يؤدي إلى زيادة العائد على الاستثمار في المباني التعليمية إلى ثلاثة اضعاف الأسلوب التقليدي.
الآن و قد اثبتت الكورونا ومن قبلها سويسرا بأن التعليم لا يرتبط فقط بالمباني و ليس مشروعا للاستثمار العقاري، فهل يمهد ذلك الطريق لتعليم أكثر كفاءة و فاعلية في مصر؟





Comments