لمن الغلبة؟

من منا لم يطمح يوم ما في اقتناء احدى تلك الساعات السويسرية التي تزداد قيمتها كلما مر الزمان؟ و من منا لم يعامل تلك الساعات معاملة الجواهر النفيسة إذا ما أسعده الحظ باقتناء واحدة سواء بالشراء أو عن طريق الإرث من الآباء و الاجداد؟ كيف لا و هي نتاج صناعة عريقة تمتد جذورها في التاريخ لما قبل عام 1550 م. فبعد أن اخترع الألماني " بيتر هنلين" أول ساعة صغيرة متنقلة في مدينة "نورمبرج" الألمانية، فر صناع الساعات المهرة من ألمانيا و فرنسا هربا من الحروب الدينية الطاحنة إلى مدينة "جنيف" السويسرية التي كانت و لازالت تنعم بالسلام والاستقرار. و منذ ذلك الوقت تربعت سويسرا على عرش صناعة الساعات في العالم دون منافس، وأصبحت ساعاتها مرادفا للجودة و الفخامة و مصدر فخر لسويسرا و لكل من يقتني ساعاتها.
الآن و مع ما يطلق عليه "التكنولوجيا الإحلالية - “Disruptive Technology - فقد تغيرت قواعد اللعبة و المنافسة في الكثير من الصناعات، ما هدد أهم الشركات بفقدان حصة من السوق. وعلى سبيل المثال، نجحت شركة “Airbnb” في توفير أكثر من 4 مليون غرفة في أكثر من 191 دولة، متفوقة بذلك على الطاقة الاستيعابية لأكبر خمس سلاسل فنادق عالمية. و بالمثل، تفوقت القيمة السوقية لشركة “Uber” على القيمة السوقية لشركة “General Motors” العريقة في صناعة السيارات. فهل تبقى صناعة الساعات السويسرية في مأمن من الخطر؟ هو بالقطع سؤال شديد الوجاهة ، خاصة إذا ما علمنا أن شركة “Apple” تمكنت خلال عام 2019 من بيع 31 مليون ساعة “Apple watch”، بينما بلغت مبيعات الساعات السويسرية في نفس العام من كافة طرازاتها و أنواعها 21 مليون ساعة وفق التقرير الذي نشرته مؤسسة “Strategy analytics” البحثية. و إن كانت قيمة هذه المبيعات ترجح كفة سويسرا لارتفاع سعر الساعة السويسرية عن سعر ساعة "ابل".
و قد اختلف المحللون فيما بينهم حول إجابة السؤال السابق و مدى ما يشكله هذا التحول التكنولوجي متمثلا في ساعة "ابل" من خطر على بقاء سويسرا متربعة على عرش صناعة الساعات في العالم. فمنهم من يرى انها بداية النهاية لصناعة الساعات السويسرية لأن الأجيال الجديدة باتت أكثر عملية و ترى أن ما توفره ساعة "ابل" من تطبيقات لمتابعة مستوى اللياقة البدنية والصحية و التفاعل مع هاتفهم المحمول”iphone” و غيرها من المزايا التكنلوجية أكثر اهمية لديهم مما تمثله الساعة السويسرية من قيمة أدبية وعاطفية لهم. و بالتالي نحن أمام تغير جذري في ثقافة و أولويات المستهلك و ليس مجرد ظاهرة مؤقتة. و من البديهي في هذه الحالة أن تكون شركة "ابل" الأقدر على تلبية تلك الاحتياجات التكنلوجية الجديدة، الحالية منها أو المستقبلية. بينما يرى الجانب الآخر من المحللين أن شركة "ابل" قد قدمت خدمة جليلة لصناعة الساعات السويسرية بخلقها سوق جديد للساعات و هو ما يطلق عليه " الساعات الذكية", بالاضافة إلى سوقها التقليدي للساعات القيمة. مما شجع الشركات السويسرية على إنتاج ساعات مماثلة لساعات "ابل" لتنافسها في هذا السوق متوافقة مع كل الهواتف التي تعمل بنظام "اندرويد" المنافس الشرس لهاتف “iphone”. و هو ما يشكل رافدا جديدا لسوق الساعات السويسرية. و يضيف أصحاب هذا الرأي، بأنه إذا لم يكن صعبا على السويسريين دخول سوق الساعات الذكية الذي بدأته "ابل"، فإنه في المقابل سيكون صعبا جدا دخول شركة "ابل" سوق الساعات التقليدية الذي يعتمد على العراقة و أناقة التصميم، و هو ما يجعل سويسرا بمنأى عن أي خطر.
تري لمن ستكون الغلبة؟ للتكنلوجيا و التطور أم للعراقة و التراث؟ أم لكلاهما معا و هو ما يسعى السويسريون لتحقيقه؟





Comments