ثمن المبادئ

قبل عموم الوباء، كان الاختيار متاح للمسوقين بين التسويق و الاعلان الرقمي و التقليدي، و إن رجحت مؤخراً كفة الأول بقوة لكفاءته و فاعليته، خصوصا ً مع ازدهار شبكات التواصل الاجتماعي وانتشارها و من ثم قدرتها على الوصول للمستهلك بسرعة و تكلفة اقل. فيكفي أن نعلم بأن نصيب “Face Book” وحده من الإعلانات يبلغ 70 مليار دولار سنويا. لكن الآن و مع انتشار الوباء و ما تبعه من اجراءات احترازية لم تعد تلك الرفاهية في الاختيار بين التسويق الرقمي و التقليدي متاحة. حيث أصبح التسويق الرقمي من خلال شبكات التواصل الاجتماعي هو البديل الوحيد المتاح للكثير من الشركات في التواصل مع مستهلكيها و خلق فرص بيعيه لها في غياب المعارض و الأحداث الترفيهية و الثقافية وإعلانات الطرق و غيرها من الأدوات التسويقية. و اصبحت هذه الشركات في أمس الحاجة لأي فرصة تسويقية ايا كانت لتعويض و لو جزء زهيد من خسائرها بسبب توقف الحياة في هذا الظرف العصيب.
و في خضم هذا الاعتماد الكلي على شبكات التواصل الإجتماعي من قبل الشركات، و ابان مصرع الأمريكي من أصل افريقي "جورج فلويد"، دشنت عدة منظمات حقوقية حملة عنوانها “Stop hate for profit” تهدف إلى حث الشركات على التوقف عن الإعلان في شبكات التواصل الإجتماعي و بالأخص "فيس بوك"، لأنه أصبح منصة تسهم في نشر رسائل الكراهية و التعصب في ضوء تقاعس ادارته عن اتخاذ اجراءات فعالة و حاسمة للحد من ذلك. فإعلانات هذه الشركات على تلك المنصة تمول "فيس بوك" و تساعده على ذلك. و قد رهنت هذه الحملة إنهاء المقاطعة باستجابة "فيس بوك" لعشرة مطالب تتمحور كلها حول اجراءات تهدف إلى منع استخدامه في تلك الأغراض السلبية و المدمرة، و التي من ضمنها السماح لجهات خارجية متخصصة بعمل تفتيش و مراجعة دورية عليه و توقيع غرامات فادحة إذا ما ثبت وجود مثل هذه الرسائل أو “groups” تحرض على ذلك.
في البداية و كما كان متوقع في ضوء اعتماد الشركات الكلي حاليا على "فيس بوك" السابق ذكره، تعاملت ادارة "فيس بوك" مع هذه الحملة باستخفاف شديد؛ حيث لم يتخيل صاحبها للحظة أن َتلقى هذه الحملة أي استجابة من الشركات المعلنة لتعارضهـا مع الهدف الرئيسي الذي تهدف إداراتها إلى تحقيقه و هو الربحية أو على أقل تقدير تقليل خسائرها في هذا الوقت الصعب. إلا أن القائمين على فيس بوك استيقظوا يوم الجمعة قبل الماضي ليجدوا أن منصتهم قد فقدت 8 % من قيمتها السوقية، أي ما يوازي 53 مليار دولار بسبب استجابة كبرى الشركات لهذه الحملة من مختلف قطاعات الأعمال مثل "يونيليفر" و "فورد"، و "ستاربكس" و "أديداس" و"”HP وغيرها. حيث أدركت هذه الشركات أن التزامها الأخلاقي أمام المساهمين و المجتمع يسبق التزامها بتحقيق الربحية. كما أن نصرتها للمبادئ و إن كان غالي الثمن على المدى القصير إلا أن تقدير المجتمع و احترامه سيؤدي إلى تفضيل المستهلك لمنتجات الشركة على المدى الطويل، بما سينعكس على ربحيتها بالإيجاب. و أخيرا، فهي تعي أن الاختيار الصحيح غالبا ما يكون الأصعب.
أما في مصر، فطالما عانينا من بعض المحتوى الاعلامي الرديء المستوى سواء التقليدي أو الرقمي، و غالبا ما يحظي بنسب مشاهدة عالية بما يدفع الكثير من الشركات للإعلان فيه. و هو ما يؤدي إلى تشجيع المنافسة في الرداءة و الابتذال بدلاً من المصداقية والرقي. بل يدخلنا في حلقة مفرغة لا يكسرها إلا وعي و ادراك الشركات لدورها في كسر تلك الحلقة عن طريق التمسك بالتزامها الأخلاقي تجاه المجتمع و مستهلكيها فعلا و ليس قولاً بمقاطعة هذا المحتوى اعلانياً لكي لا يقترن اسمها بهذا المحتوى الرديء. فهل من قادر على دفع ثمن التمسك بالمبادئ و نصرتها؟





Comments