آفاق و عواقب

كنا قد تناولنا من قبل موضوع الذكاء الاصطناعي عدة مرات من زوايا مختلفة سواء من زاوية تطبيقاته المختلفة، أو زاوية آثاره الاقتصادية و الاجتماعية، أو حتى التبعات الأخلاقية لاستخدامه. و كان من ضمن ما تطرقنا إليه دراسة جامعة أكسفورد التي تنبأت بإحلال الذكاء الاصطناعي محل العنصر البشري في 47% من الوظائف الحالية قبل حلول عام 2033. و لكن يبدوا أن ما تناولناه من قبل و ما تنبأت به تلك الدراسة كان أقل بكثير من الآثار التي ترتبت بالفعل و التي ستترتب عليه في القريب العاجل في ضوء التطور المتسارع الذي شهدناه في هذا المجال على مدار الثلاثة شهور الماضية، و تحديدًا ما بات يعرف بالذكاء الاصطناعي التوليدي “Generative artificial intelligence”. وفي حقيقة الأمر، تمثل هذه الخاصية نقلة نوعية في مجال الذكاء الاصطناعي؛ حيث تستطيع اللوغاريتمات أو الخوارزميات الخاصة بها صنع محتوى جديد مثل: تصميمات لمنتجات جديدة وأغاني ومقطوعات موسيقية و مقاطع فيديو و صور وإعلانات ومقالات واوراق علمية و أكواد لبرمجة الكمبيوتر ومعادلات علمية وتركيبات دوائية وغيرها في ثواني معدودة بناء على قدرتها على التعلم من النصوص المكتوبة والمسموعة وليس فقط من قواعد البيانات. و لا يعد ذلك من قبيل استشراف للمستقبل، بل هو واقع يمكنك تجربته بنفسك حال قراءتك لهذه السطور من خلال دخولك لموقع “ChatGPT” أو “DALL-E”لشركة “Open AI” التي استقطبت استثمارات بمليارات الدولارات و أفضل العقول لتطوير هذا المجال. كما تنافس الشركات الأخرى التي تسابق الزمن مثل شركة “Deep Mind” التابعة للشركة الأم المالكة لشركة "جوجل" وشركة "ميتا" المالكة ل"فيس بوك". و بالطبع، لم يتوقف الأمر على الاستثمارات و العقول؛ حيث تطلب تدريب النسخة الثالثة من “GPT” على سبيل المثال 45 تيرابايت من البيانات النصية، و هو ما يعادل ربع مكتبة الكونجرس.
لا شك أن ما سبق ذكره يشكل فرصًا غير محدودة في كافة المجالات من الطب للموسيقى مرورًا بالصناعة و التسويق و التعليم. فبصفة يومية، يتم إضافة تطبيقات جديدة للذكاء الصناعي التوليدي ، و ذلك ليس من قبيل المبالغة بل اقرارًا للواقع. و مع كل تلك الفرص تبرز بالتبعية العديد من المخاطر والتحديات، ليس فقط بسبب شبح البطالة الذي يهدد أصحاب الكثير من المهن و الأعمال التي يمكن للذكاء الصناعي التوليدي أن يقوم بها في ثواني و بكفاءة عالية، بل أيضا بسبب الكثير من المخاطر الأخلاقية والقانونية أيضا. ففي الكثير من الوظائف السابق ذكرها تعتمد مدخلات تلك التطبيقات على النصوص ، مثل ما هو متاح حاليا على الإنترنت و هي النصوص التي تفتقر في الكثير من الأحيان إلى الدقة أو الموضوعية أو حتى الأخلاق. كما أن هناك تساؤلات مثارة حول الملكية الفكرية لمخرجات تلك التكنلوجيا. فعندما يستخدمها مؤلف لكتابة كتاب أو مقال، أو ملحن لعمل أغنية أو رسام لرسم لوحة، أو مصمم لتصميم منتج، أو معلن لعمل إعلان لمن ستؤول الملكية الفكرية لتلك المنتجات؟ بل و كيف يمكن التمييز بين الأعمال الأصلية و النسخ المقلدة طبق الأصل بواسطة تلك التكنولوجيا؟ وبالقياس، كيف يمكنك أن تتحقق من أنني قد قمت بكتابة هذا المقال، و انه لم يكتب بإستخدام التطبيقات السابق ذكرها؟!





Comments