السلطة المهددة
- Amr Kais
- Oct 18
- 2 min read

في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية وفي تطور يحدث بسرعة البرق وبات واقعا نعيشه، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية نستخدمها بقدر ما أصبح مرجعًا معرفيًا وسلوكيًا يتجاوز دوره التقليدي في إنجاز المهام أو تحليل البيانات بسرعة أكبر بكثير. فاليوم، نلاحظ أن الموظفين في بيئة العمل، والأبناء في البيوت، قد اعتادوا اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي للحصول على إجابات وتوجيهات، وحتى دعم نفسي، متجاوزين بذلك رؤسائهم أو آباءهم. وهي الظاهرة التي باتت تطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل سلطة المديرين وأولياء الأمور، ودورهم مع المرؤوسين والأبناء في ضوء تعاظم سلطة الذكاء الاصطناعي ودوره في عصر تتداخل فيه المعرفة مع الخوارزميات. ففي المؤسسات، لم يعد الموظف يطلب أو ينتظر توجيهًا من مديره، بل يفتح نافذة الذكاء الاصطناعي ليسأل عن كيفية كتابة تقرير، أو تحليل سوق، أو حتى التعامل مع زميل صعب المراس أو مع مديره نفسه! وفي المنزل، يتجه الأطفال إلى تطبيقات المحادثة الذكية لسؤالها عن مسائل دراسية، أو استفسارات وجودية، أو حتى نصائح اجتماعية، متجاوزين بذلك دور الوالدين كمصدر رئيسي للمعرفة والتوجيه. هذا التحول لا يعكس فقط تطورًا تقنيًا، بل يعكس أيضًا تغير في الثقة، وفي مفهوم "المرجعية". فبينما كان المدير أو الأب يمثلان سابقًا مصدرًا للمعلومة والخبرة الحياتية، أصبح الذكاء الاصطناعي يقدم في ثواني معدودة إجابات فورية، وأحيانًا أكثر دقة لاعتمادها على ملايين المصادر والتجارب الشخصية التي تعد أعمق من التجربة الشخصية المنفردة الخاصة بالمدير أو الأب.
تشير عدة دراسات منشورة في هذا الشأن قامت بها مؤسسات علمية مثل جامعتي هارفارد وكمبريدج إلى أن الذكاء الاصطناعي قد بدأ يحل محل البشر في وظائف التوجيه داخل المؤسسات، خصوصًا في مجالات الموارد البشرية. وأن الموظفين الذين يتلقون توجيهات وقرارات من أنظمة الذكاء الاصطناعي يشعرون أحيانًا بأنها أكثر موضوعية، ولكنهم أيضًا يفتقدون البُعد الإنساني في التفاعل. وفي السياق الأسري، أظهرت مراجعة منهجية لـ 27 دراسة أن الأمهات والآباء باتوا يستخدمون الذكاء الاصطناعي للحصول على دعم في مراحل الحمل، التربية، وحتى التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، مما يخلق علاقة ثلاثية بين الطفل، والوالد، والآلة. وبما ان السلطة الرمزية لا تُبنى فقط على المعرفة، بل على الثقة، والتجربة، والعلاقة الإنسانية، فمع دخول الذكاء الاصطناعي كطرف ثالث في هذه المعادلة، يصبح التحدي أمام القادة والآباء هو إعادة تعريف دورهم، ليس فقط كمصدر للمعلومة، بل كمصدر لتوضيح معناها، ووضعها في السياق المناسب، وقبل كل ذلك مصدر للدعم العاطفي. ففي مؤسسات الأعمال، يمكن للقادة أن يعيدوا بناء سلطتهم من خلال تبني الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة، وليس كبديل. فبدلًا من أن يشعر الموظف أن المدير قد "تخلى" عن دوره لصالح الآلة، يمكن أن يُشرك المدير الذكاء الاصطناعي في عملية اتخاذ القرار، ويشرح خلفياته للمرؤوسين، ويضيف إليه البُعد الإنساني. وفي البيوت، يمكن للآباء أن يستخدموا الذكاء الاصطناعي كوسيلة تعليمية مشتركة، فيسألون مع أطفالهم، يناقشون الإجابات، ويضيفون إليها خبراتهم الشخصية، مما يحافظ على دورهم كموجهين، ويمنح الأبناء فرصة للمقارنة بين المعرفة الآلية والمعرفة الإنسانية. ذلك لأن الذكاء الاصطناعي لن يختفي، ولن يتراجع، بل سيزداد حضورًا وتأثيرًا. ولكن هذا لا يعني أن القادة والآباء يجب ان يفقدوا دورهم، بل يعني أن عليهم تطويره. فالمستقبل لا يتطلب فقط معرفة تقنية، بل يتطلب قيادة عاطفية، وتوجيهًا إنسانيًا، وقدرة على بناء الثقة في زمن تتعدد فيه مصادر المعرفة.
إن التحدي الحقيقي ليس في منافسة الذكاء الاصطناعي، بل في التكامل معه، وفي الحفاظ على جوهر العلاقة الإنسانية وسط عالم يتجه نحو الرقمنة الكاملة. فالقائد الذي يفهم السياق، والوالد الذي يشعر بالأبناء، سيبقيان دومًا المرجعية الأولى مهما تطورت الخوارزميات.













Comments