بأي ثمن
- Jan 15, 2023
- 2 min read

تتنافس كبرى الشركات والمؤسسات العالمية على إستقطاب أفضل العقول والكوادر المؤهلة لقيادتها، إيماناً منها أن هذه العقليات هي التى تصنع الفارق، وأن نتاج أفكارهم وخبراتهم ومؤهلاتهم يفوق بكثير جداً رواتبهم بل و يعد استثماراً مربحاً. فمثلاً لا نستغرب حين نعلم أن " تيم كوك" العضو المنتدب لشركة "آبل" يحصل على راتب سنوى يزيد عن 98 مليون دولار. وهى الشركة التى حققت فى عام 2022 مبيعات تقدر ب394 مليار دولار وأرباح تزيد عن 99 مليار دولار. ولا يعد "كوك" استثناء؛ حيث أن هذا هو الحال فى كل الشركات الناجحة فى كل القطاعات مثل إكسون موبيل، أوركل، ياهو، جامكو، ديسكفرى كوميونيكشنز وغيرها. و بالطبع، يخضع أداء هؤلاء المديرين لتقييم و رقابة صارمة من مجالس إدارات هذه الشركات وكذلك جمعياتها العمومية للتأكد من أن أدائهم ونتائجهم المحققة تبرر ما يتقاضونه من رواتب مرتفعة. ولا يسرى ما سبق على الشركات والمؤسسات فقط بل على الدول الناجحة أيضأ. فقد ذكر "لى كوان يو" صانع المعجزة السنغافورية، وهو المتخرج من جامعة كامبردج بالمناسبة، فى مذكراته المنشورة فى كتاب "The Singapore Story" أنه ادرك أن قرارات مديرى الشركات تؤثر على نتائجها وعلى العاملين فيها، أما قرارات المسئول الحكومى فتؤثر فى حياة كل مواطن وتصنع مستقبل الوطن. فإذا كانت الشركات لا تدخر جهداً فى جذب أفضل العقول المؤهلة للعمل لديها، فإنه من الأولى أن تقوم الحكومة بذلك. وكانت تلك هى النقطة الفارقة فى تاريخ صناعة المعجزة السنغافورية عن طريق إجتذاب أفضل العناصر للعمل في المواقع الحكومية المؤثرة، التي أحدثت الفارق وصنعت المستقبل المشرق الذى بات واقعاً الآن فى سنغافورة. ولذلك، فقد حذت حذو سنغافورة الكثير من الحكومات المشهود لها بالنجاح والكفاءة مثل حكومة دبى و رواندا وغيرها.
أما فى مصر، فإنى أدعى أن ُحسن إختيار عدد محدود جدا من قيادات العمل العام و الحكومي ممن يتوافر فيهم المواصفات السابق ذكرها يمكن أن يغير واقع ومستقبل 104 مليون مواطن مصرى. ولكننا ندرك فى المقابل كم التحديات التى سيواجها كل من يضطلع بمثل هذه الوظائف بسبب ارث التراكمات التاريخية المتمثلة في الترهل الكبير للجهاز الإداري للدولة، غياب ثقافة الثواب والعقاب، الدولة العميقة، الفساد والى آخره من أمراض إدارية مستوطنة منذ عشرات السنين. وهى التحديات التى تتطلب مؤهلات وعقليات على أعلى مستوى من الكفاءة والتأهيل والرؤية للتغلب عليها.بل ويمكن أن أضف الى ما سبق من تحديات التعرض للتشويه الإعلامى بسبب أو بدون سبب الذى لا يقتصر على المسئول وأداؤه فقط، بل يمتد الى حياته الخاصة وزوجته وأولاده كما شهدنا مع الأسف في كثير من الأحيان. وعلى الرغم من كل ما سبق، نصر على أن نضع حد أقصى لأجر المسئول الذي يقبل بهذا العمل الانتحاري مهما كانت مؤهلاته وخبراته، متجاهلين تماماً قيمته السوقية والفرص البديلة المتاحة له فى سوق العمل بمقابل أكبر وبدون التعرض لكل هذه المنغصات. فمن ذا الذى يقبل مثل هذا العمل فى مثل هذه الظروف وما هى قدراته ومؤهلاته وكذلك دوافعه؟ وفى المقابل، ما هو الحافز الذى تقدمه الدولة لإستقطاب العقول والكوادر المؤهلة، وهى متوافرة بيننا بالفعل في كثير من المواقع و الشركات العالمية الكبرى فى مصر والعالم؟ اعتقد أنه طالما بقيت تلك الأسئلة بلا إجابة، سيبقى العمل العام منفرا لمن نحن في أمس الحاجة لقدراتهم و امكانياتهم، وجاذبا لمن ندعوا الله أن يقينا شرور و تبعات قراراتهم غير المدروسة و ثقتهم الزائدة غير المبررة.
فمن الأولى أن نضع حد أدنى للقدرة على التفكير والإبداع والرؤية والمؤهلات عند اختيار شاغلي تلك الوظائف، بدلا من وضع حد أقصى لأجورهم. فنحن حقا بحاجة لهم بأي ثمن.





Comments