بداية القصة
- Amr Kais
- Nov 9
- 2 min read

أتصور أننا إذا لجأنا إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وإلى كبار علماء الشئون السياسية المتخصصين في الشأن الأمريكي لتوقع مواصفات المرشح الأوفر حظا لأي منصب عام في ولاية نيويورك - المدينة الأكبر والأكثر تأثيرًا في الولايات المتحدة – فستكون النتيجة أبعد ما تكون عن مرشح مسلم من أصول افريقية أو اسيوية، ذو نزعة اشتراكية، بل ويدين نهج إسرائيل في العلن. لكن المفاجأة فاقت كل التوقعات بفوز زهران ممداني، السياسي التقدمي المسلم البالغ من العمر 34 عامًا الذي ولد في أوغندا من أصول أسيوية. نجح ممداني باكتساح ليصبح عمدة نيويورك في إنتخابات تجاوزت نسبة المشاركة فيهـا مليوني ناخب، وهي نسبة المشاركة الأعلى منذ عام 1969، ما يعكس حجم الاهتمام الشعبي بهذه الانتخابات. والأغرب أنه قد حصل على 67% من أصوات اليهود تحت سن 44 عاما، وحصل تقريبًا على 43% من إجمالي أصوات اليهود. على الرغم من أن ممداني قد طالب بإعتقال نتنياهو كمجرم حرب إذا وطأت قدمه نيويورك، ورفض دمج معاداة الصهيونية بمعاداة السامية، مؤكدًا أن التضامن مع حقوق الفلسطينيين لا يتعارض مع إحترام الديانة اليهودية. بل وقد أسس مؤيدوه من هذه الفئة مجموعات مثل "اليهود من أجل زهران" دعمًا لبرنامجه الذي ينادي بالمساواة والعدالة الإجتماعية ويرفض سياسات نتنياهو وحكومة الإحتلال. كل ذلك على الرغم من هجوم ترامب العنيف عليه؛ حيث أعلن أن أفكار ممداني شيوعية، وأيضا توعد بـأنه لو فاز وأصبح عمدة نيويورك، سيقوم بوقف التمويل الفيدرالي لمدينة نيويورك. ولعل كل ما سبق يجعل من فوز ممداني حدثا تاريخيا يحمل دلالات سياسية واجتماعية عميقة، وربما يفتح الباب لتحولات جذرية في المشهد الأمريكي والعالمي. فقد تبنت حملة ممداني شعارا تقدميًا جريئا، ركز على قضايا تمس حياة سكان المدينة بشكل مباشر، مثل تجميد إرتفاع الإيجارات، و توفير وسائل نقل مجانية، رعاية الأطفال، وتمويل هذه البرامج عبر ضرائب على الأغنياء. و كذلك رفع الحد الأدنى للأجور إلى 30 دولارا للساعة بحلول عام 2030. و قد لاقى هذا الطرح صدا واسعا، خاصة بين الشباب وسكان الأحياء المهمشة، الذين رأوا فيه صوتا يمثلهم ويعبر عن تطلعاتهم. وهي الحملة التي مولها الفقراء والعاملون والأسر البسيطة بدولارات قليلة عبر عشرات الآلاف من المتبرعين. لذا، فإن النجاح الساحق لهذا الفكر التقدمي قد يشجع مرشحين تقدميين آخرين على خوض الإنتخابات في مدن وولايات أخرى، مما قد يعيد تشكيل أولويات الحزب الديمقراطي على المستوى الوطني. كما أنه قد يؤدي إلى إعادة تعريف مواصفات القيادة السياسية. فممداني شابا مسلما ومن أصول مهاجرة، و فوزه يفتح الباب أمام نماذج قيادية جديدة، ويكسر الصور النمطية السائدة حول من يستحق أن يقود. كما أن فوز ممداني قد يلهم مجتمعات مهاجرة ومسلمة في دول أخرى، ويعزز من حضورهم السياسي، خاصة في المدن الكبرى ذات التنوع الثقافي. و هو ما قد يؤدي إلى تغير أوجه الحياه المختلفه في تلك المدن.
ختاما، على الرغم من الحماس الشعبي الكبير والأمل الذي زرعه في نفوس الملايين، لا شك في أن ممداني سيواجه تحديات كبيرة في ترجمة رؤيته التقدمية إلى واقع ملموس، خاصة من قبل المؤسسات التقليدية والمصالح الاقتصادية الراسخة. فهل سينجح في ذلك؟ ربما، لكنه بالقطع قد نجح في وضع اللبنه الأولى لتحولات سياسية واقتصادية واجتماعيه سنشهدها في العالم في السنوات القادمة. فنجاح ممداني ما هو إلا بداية للقصة و ليس نهايتها.













Comments