ليسوا عبئا!!
- Amr Kais
- Sep 27
- 2 min read

يحتفل العالم في الأول من أكتوبر من كل عام باليوم العالمي لكبار السن. هي مناسبة أطلقتها الأمم المتحدة منذ عام 1990 لتسليط الضوء على مكانة كبار السن في المجتمعات، ولتذكيرنا بأن التقدم في العمر ليس نهاية المطاف، بل بداية مرحلة جديدة غنية بالعطاء والتجربة والحكمة. فالاحتفال بـهذا اليوم ليس من باب المجاملة أو التعاطف، بل من منطلق إدراك عميق بأن المجتمعات التي تحترم كبارها وتدمجهم في نسيجها الإقتصادي والإجتماعي هي مجتمعات أكثر توازنًا واستدامة اقتصاديا واجتماعيا، خصوصا مع ما يشهده العالم من تحولات ديموغرافية غير مسبوقة. فعدد الأشخاص فوق سن الستين على مستوى العالم يتجاوز اليوم مليار نسمة، ومن المتوقع أن يتضاعف بحلول عام 2050. هذه الطفرة العمرية تفرض تحديات على أنظمة الرعاية الصحية، والتأمينات الاجتماعية، وسوق العمل، لكنها في الوقت ذاته تفتح آفاقًا جديدة للإستفادة من طاقات غير مستغلة. وفي الواقع، فكبار السن ليسوا عبئًا بل موردًا بشريًا غنيًا، لما لهم من خبرة تراكمية وشبكات اجتماعية وقدرة على التوجيه والمشورة، تجعلهم عنصرًا فاعلًا في التنمية إذا ما أُحسن توظيفهم. والأوجب أن نفكر في التغلب على التحديات التي تواجه تلك الفئة العمرية و أبرزها الفقر والتهميش الإقتصادي في غياب معاشات كافية أو دعم اجتماعي أو فرص عمل، مما يجعل بعضهم في وضع هش. علاوة على التمييز العمري، حين يُنظر إلى كبار السن على أنهم غير منتجين أو غير مواكبين للتطور. كما يعاني كبار السن من ضعف الخدمات الصحية المتخصصة لتلك الفئة التي تتطلب رعاية مستمرة لا تتوفر دوما بالإضافة إلى التعرض للعزلة الاجتماعية في حالة فقدان الشريك أو إبتعاد الأبناء.
وفي مصر، تشير الإحصاءات إلى أن نسبة كبار السن تتجاوز 7% من إجمالي السكان، وهي نسبة مرشحة للزيادة. ومع ذلك، لا تزال السياسات العامة تفتقر إلى رؤية شاملة لدمج هذه الفئة في الحياة الإقتصادية والإجتماعية. فلا توجد سياسات واضحة لتشجيع كبار السن على العمل الجزئي أو التطوع أو ريادة الأعمال، وذلك على الرغم من الضعف الشديد لقيمة المعاشات مقارنة بالزيادة الكبيرة والمتسارعة في الأسعار. وعلى الجانب الصحي، فعلى الرغم من وجود مبادرات مثل التأمين الصحي الشامل، إلا أن الوصول إلى خدمات متخصصة في طب الشيخوخة لا يزال محدودًا. كما أن هناك الكثير من كبار السن الذين يعانون من الاكتئاب أو الشعور بعدم الجدوى، في ظل غياب برامج ترفيهية أو ثقافية موجهة لهم. وعلى الرغم من أن الثقافة المصرية، بطابعها الأسري، لا تزال تحتفظ بقدر من الاحترام لكبار السن، إلا أن ذلك يتآكل تدريجيًا بفعل التغيرات الإجتماعية التي نلمسها جميعا. لذا، فنحن بحاجة إلى سياسات أكثر شمولًا تدمج هذه الفئة في التعليم المستمر والعمل والمشاركة المجتمعية. وذلك، كيما يعاد تعريف الشيخوخة ليس كمرحلة ضعف، بل كمرحلة نضج وإسهام بما تحمله سنوات عمر من ينتمون إلى هذه الفئه من دروسً لا تُدرّس، وتجارب لا تُشترى في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتُقاس فيه القيمة بالإنتاج اللحظي. وقد عبّر الدكتور مجدي يعقوب عن هذه الفكرة حين قال: "العمر لا يُقاس بالسنوات، بل بما نتركه من أثر، وما نمنحه للآخرين من وقت وخبرة ومحبة." فهل يمكن أن تقدر قيمة عطاء هذا الرجل بثمن (أطال الله في عمره) وهو الذي ينتمي إلى هذه الفئة العمرية؟
إن الاحتفال باليوم العالمي لكبار السن دعوة للتأمل، ولإعادة بناء علاقة أكثر إنسانية بين الأجيال، علاقة تُثمر عن مجتمع أكثر نضجًا، وذاكرة أكثر عمقًا، ومستقبل أكثر حكمة. حين ننظر إلى العمر كقيمة مضافة وليس عبئًا، وحين نعمل بمقولة النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "ليس منَّا من لم يوقِّر كبيرنا ويرحم صغيرنا".













Comments