مشكلة النخبة

أتصور أن النخبة من الدول المتقدمة والأكثر سيطرة على الموارد المالية والنافذة سياسياً والتي تُشكل الرأي العام العالمي قد أدركت متأخراً خطئها الفادح بتصورها بـأنها في مأمن عما يحدث خارج حدودها طالما استطاعت بناء أسوار عالية تفصلها عن الدول التي ينتشر فيها التخلف والفوضى. فقد أدركت خطئهاً حين وجدت حضارتها ونمط حياة أبنائها بات مهدداً بالكثير من المخاطر الواردة من خارج أبراجها العاجية التي باتت عاجزة عن حمايتها من تلك المخاطر المتمثلة في الإرهاب والهجرة غير الشرعية أو المخاطر الصحية مثل أمراض زيكا وسارس و كوفيد 19 وغيرها، أو المخاطر البيئية مثل الاحتباس الحراري.
وقياساً على ذلك، يوجد لدينا في مصر كباقي الدول طبقة يطلق عليها “النخبةelite - “The وهي الطبقة الأكثر سيطرة على الموارد المالية، و الأكثر نفوذا وقدرة على تشكيل اتجاهات الرأي العام ورفع مستوي طبقات الشعب الأخرى والاسهام في تنميتها استنادا إلى كونها تمثل قدوة مؤثرة في مختلف التخصصات و المجالات. و لعلي أتصور أن نخبتنا لا تزال ترتكب الخطأ الفادح الذي ارتكبته دول النخبة بإحساسها بأمان زائف و لجوئها إلى أسهل الحلول و هو بناء الأسوار بدلا من القيام بدورها. فإذا أرادت مثلاً الاستمتاع بشواطئ راقية وجميلة شرعت في انشاء شواطئ خاصة بها خلف أسوار عالية لتتجنب التصرفات السوقية لعامة الشعب وضوضائهم.
وهو عكس ما نراه في دول العالم الأخرى؛ حيث تجد أجمل شواطئ فرنسا وإسبانيا والبرازيل وغيرها شواطئ عامة يسمح للجميع بدخولها ولكن بقواعد معينة صارمة تضمن استمتاع والتزام الجميع بها وإلا لا ُيسمح لهم بدخولها. وبذلك يعتاد عامة الشعب على تلك القواعد. و تكون النخبه قد أسهمت في أخذ يد عامة الشعب ليرتقي شيئاً فشيئاً. وما يسرى على الشواطئ يسرى أيضا على المجمعات السكنية “Compounds” التي تعزل النخبة عن عامة الشعب فينعمون داخلها بالحياة الراقية بعيداً عن الواقع الذي يعيشه غالبية المصريين ليوهموا أنفسهم بـأنهم بذلك قد استطاعوا تجنب كل مشكلات المجتمع، متناسيين حقيقة أنهم في النهاية شركاء للعامه في نفس الوطن الذين طالما أهملوهم لسنوات بل وتجنبوا الإختلاط بهم بشتى الطرق بدلاً من محاولة الأخذ بأيديهم وتنميتهم ورفع مستوى وعيهم ورقيهم. و هو الدور الذي إذا ما تم لن يؤدي فقط إلى طفرة في جودة الحياة و الأمن المجتمعي، بل سيؤدي إلى طفرة اقتصادية أيضًا؛ حيث أن أهم العقبات التي تواجه نمو صناعة السياحة في مصر هي و بلا شك ما يواجهه السائح من مضايقات و سلوكيات غير لائقة منا.
أتصور أن ما سبق ذكره قد تناول جانب واحد من مشكلة النخبة في مصر وهو سلبيتها. أما الجانب الآخر من مشكلتها و الذي لا يقل خطورة عن سلبيتها في رأيي هو مستوى رقى وجودة النخبة نفسها والتي ُيفترض فيها أن تكون مثالاً ُيحتذى به من قبل باقي أفراد المجتمع وأن تلعب الدور الرئيسي في تشكيل منظومة القيم و الأخلاق لديه وتوجيه الرأي العام. فيكفي أن نقارن أخلاقياً ومهنياً بين نخبة الأمس ونخبة اليوم التي تتصدر المشهد على مستوي المجالات الثقافية والفنية والسياسية والإعلامية و الرياضية، بل والعمل العام والمهن والنقابات المختلفة لنلمس حجم التدهور الذي أصاب نُخبتنا أو ربما المعايير التي يتم على أساسها اختيار من نُطلق عليهم نُخبة ونراهم اليوم ملء السمع والبصر. و لكن سواء كانت المشكلة في سلبية النخبة أو عدم صلاحيتها أساسا لأن تصبح نخبة فإن ذلك مع الاسف لن يغير شيئاً من الواقع، وهو أن جانب كبير من نكبتنا يكمن في نُخبتنا.





Comments