مصداقية “دافوس”
Updated: Jan 22, 2023

تحولت انظار العالم الأسبوع الماضي إلى ذلك المنتجع الهادئ الذي يقع على ارتفاع 1500 متر فوق أحد قمم جبال الألب في سويسرا. وذلك بسبب انعقاد القمه رقم 53 لمنتدى دافوس العالمي و التي ينظمها المنتدى الاقتصادي العالمي منذ سبعينات القرن الماضي. و قد تميزت قمة هذا العام بحضور غير مسبوق لأكثر من 2700 مشارك منهم 50 من رؤساء الدول و الحكومات و 19 رئيس بنك مركزي و 30 وزير تجارة و 35 وزير خارجية و 600 من رؤساء الشركات الكبرى ورواد الأعمال. كما تميزت بانعقادها في ظل ظروف بالغة التعقيد، و التي عبر عنها شعار اجتماع هذا العام " التعاون في عالم منقسم". فها هو مستوى الجليد في المنتجع أقل كثيرًا من الأعوام السابقة ليذكر الحاضرين بمشكلة المناخ، و الاحتباس الحراري. علاوة على حرب أوكرانيا و تداعياتها، و الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة و توابعها من السياسات الحمائية التي تهدد حركة التجارة و مستقبل العولمة. ضف إلى ذلك مشكلة التضخم و غلاء المعيشة، و الركود الاقتصادي، و أزمة الغذاء و شبكات الإمداد ووباء كورونا، و هي الموضوعات الرئيسية التي تصدرت اجندة المنتدى و حلقات نقاشه.
و كما كان متوقعًا، و تأكيدا على انقسام العالم فقد غابت روسيا عن الحضور بسبب مقاطعة المنتدى لها. و في المقابل، لم يكتف رئيس أوكرانيا بعادته في مخاطبة الحضور بخطبة حماسية بخاصية "الفيديو كونفرنس" بل أرسل زوجته أيضا "أولينا زيلنسكا" إمعانا في التأثير على الحضور. كما شهد المنتدى هذا العام تمثيلا أكبر لقارتي آسيا و أفريقيا، بالإضافة إلى حضور مكثف من السعودية و الإمارات العربية المتحدة. و قد لاقت كلمة "عزيز اخنوش" رئيس الحكومة المغربية استحسانا كبيرا، و التي استعرض فيها ثمار التنمية و إصلاح مناخ الاستثمار والأعمال، بدءً من تخصيص ثلث ميزانية الدولة للتعليم و الصحة، و انتهاء بوصول الطاقة المتجددة إلى نسبة 38% من إجمالي الطاقة في المغرب، و توقع تحقيقها نسبة 50% بحلول عام 2030 .
و على الجانب الآخر، رأى الكثيرون أن هذا المنتدى يعد رمزا للنخبة العالمية التي يتحمل البعض منها على الاقل مسئولية تلك الأزمات التي نعيشها. فقد وصف " أناند جريدهارادس" الكاتب "بـنيويورك تايمز" "دافوس" بأنه أقرب إلى لقاء لم الشمل للعائلة التي تسببت في إفلاس العالم الحديث. كما قام الصحفي الأمريكي " بيتر جودمان" بتأليف كتاب بعنوان "رجل دافوس: كيف التهم أصحاب المليارات العالم" و الذي قال فيه: "خلال أربعة أيام في جناح خاص، يمكنهم إتمام أعمال أكثر مما يفعلون في أشهر من الرحلات حول العالم". ويؤكد موقع المؤتمر الفخم والمروحيات الخاصة الهابطة والمقلعة منه، والحفلات الباذخة والماجنة أحيانا مزاعم أنه حدث يقتصر على النخبة، ليتيح لرؤساء الحكومات وأصحاب الشركات الكبرى والمنظمات غير الحكومية جميع السبل التي تمكنهم من المحافظة على نفوذهم، واتخاذ القرارات التي تخدم مصالحهم. و بالتالي، فإن صحت تلك الانتقادات، فسيكون من العبث أن ننتظر من هؤلاء حل تلك المشاكل، و إلا سننتظر دهراً. و أتصور أن تلك الانتقادات السابق ذكرها لم تعد تقتصر فقط على "دافوس"، و لكن باتت تشمل العديد من التجمعات المنظمة على المستوى العالمي والإقليمي والتي تفقد مصداقيتها تدريجيا لاقتصار دورها على التلويح بالفضائل بدلا من حل المشكلات التي باتت لا تحتمل المزيد من التنظير والشعارات الجوفاء من المتسببين فيها. فمن المصداقية أن يقل الكلام ويكثر الفعل





Comments