top of page

نُخبتنا ونكبتنا

  • عمرو قيس
  • Oct 11, 2016
  • 3 min read

أدركت الدول المتقدمة والأكثر سيطرة على الموارد المالية والنافذة سياسياً والتي تُشكل الرأي العام العالمي متأخراً خطئها الفادح بتصورها أنها في مأمن عما يحدث خارج حدودها طالما استطاعت بناء أسوار عالية تفصلها عن الدول التي ينتشر فيها التخلف والفوضى.

لقد أدركت خطئهاً حين وجدت حضارتها ونمط حياة أبنائها بات مهدداً بالكثير من المخاطر الواردة من خارج أبراجها العاجية التي باتت عاجزة عن حمايتها من تلك المخاطر المتمثلة في الإرهاب والهجرة غير الشرعية أو المخاطر الصحية مثل أمراض زيكا وسارس وغيرها أو المخاطر البيئية مثل الاحتباس الحراري.


وقياساً على ما سبق، لدينا في مصر كباقي الدول من ُيطلق عليهم “النخبةelite - “The وهي المجموعات الأكثر نفوذا وقدرة على تشكيل اتجاهات الرأي العام ورفع مستوي طبقات الشعب الأخرى والاسهام في تنميتها استنادا إلى كونها تمثل صفوة الطبقة المؤثرة في مختلف التخصصات. ولإيضاح هذا الدور تحضرني مناقشة دارت بيني وبين أحد أشهر أدباء أمريكا اللاتينية الذي تصادف وجودي إلى جواره عند تناول الغذاء خلال أحد المؤتمرات في فنلندا التي ُدعي إليه كضيف شرف قبيل ثورة يناير. فعندما تعارفنا وعلم أنى مصري قال لي أنه قد زار مصر عدة مرات ومتابع جيد لأحوالها، مما شجعني على سؤاله عما إذا كانت مصر من وجهة نظره مؤهله لتطبيق الديموقراطية الكاملة في ظل انتشار الأميه والجهل وتأثيرهما على الاختيار الرشيد للمواطن وخطورة تحديد مصير الوطن من قبل الأغلبية بغض النظر عن درجة وعيها. فأجاب وبلا تردد " إنكم دوما مؤهلون لتطبيق الديموقراطية الكاملة، لكنكم ستدفعون بالطبع ثمن تخاذل نخبتكم عن القيام بدورها لسنوات طويلة بتحمل اختيارات غير صائبة لعامة الشعب في طريقه التدريجي إلى النضج والوعي". واستطرد قائلاً " لقد لاحظت خلال زياراتي المتعددة لمصر لجوء نخبتكم دائماً للاختيار السهل بدلاً من القيام بدورها. فإذا أرادوا مثلاً الاستمتاع بشواطئ راقية وجميلة شرعوا في انشاء شواطئ خاصه بهم خلف أسوار عالية ليتجنبوا التصرفات السوقية لعامة الشعب وضوضائهم. وهو عكس ما نراه في دول العالم الأخرى؛ حيث تجد أجمل شواطئ فرنسا وإسبانيا والبرازيل وغيرها شواطئ عامة ُيسمح للجميع بدخولها ولكن بقواعد معينة صارمة تضمن استمتاع والتزام الجميع الكل بها وإلا لا ُيسمح لهم بدخولها. وبذلك يعتاد عامة الشعب على تلك القواعد ويأخذ في الرقى شيئاً فشيئاً. وما يسرى على الشواطئ يسرى أيضا على المجمعات السكنية “Compounds” التي تعزل النخبة عن عامة الشعب فينعمون داخلها بالحياة الراقية بعيداً عن الواقع الذي يعيشه غالبية المصريين ليوهموا أنفسهم أنهم بذلك قد استطاعوا تجنب كل مشكلات المجتمع، متناسيين أنهم في النهاية شركاء في نفس الوطن وبأنهم بتطبيق الديموقراطية سيكون مصيرهم في يد عامة الشعب الذي طالما أهملوه لسنوات بل وتجنبوه بشتى الطرق بدلاً من محاولة الأخذ بأيدي أبناءه وتنميتهم ورفع مستوى وعيهم ورقيهم"


لعل ما قاله ذلك الأديب شديد الأهمية ليس فقط لأنه يلفت النظر إلى أهمية دور النخبة في تنمية أي مجتمع ودرجة تقاعس النخبة لدينا عن القيام بدورها، ولكن لأن هذا الرأي يأتي من عين خارجية لم تألف الواقع الذي ألفناه ومن شخص ينتمي إلى دول تتشابه معنا في الكثير من المشاكل والتحديات.


ورغم ذلك، فإنني أعتقد أن رأيه قد تناول جانب واحد من مشكلة النخبة في مصر وهو سلبيتها. أما الجانب الذي لا يقل خطورة عن سلبية الُنخبة في رأيي فهو مستوى رقى وجودة النخبة نفسها والتي ُيفترض فيها أن تكون مثالاً ُيحتذى به من قبل باقي أفراد المجتمع وأن تلعب الدور الرئيسي في تشكيل منظومة القيم لديه وتوجيه الرأي العام.فيكفي أن نقارن أخلاقياً ومهنياً بين نخبة الأمس ونخبة اليوم التي تتصدر المشهد على مستوي المجالات الثقافية والفنية والسياسية والإعلامية، بل والعمل العام والمهن والنقابات المختلفة لنلمس حجم التدهور الذي أصاب نُخبتنا أو ربما المعايير التي يتم على أساسها اختيار من نُطلق عليهم نُخبة ونراهم اليوم ملء السمع والبصر. و لكن سواء كانت المشكلة في تدهور أداء النخبة أو افتقار معايير اختيارها فإن ذلك مع الاسف لن يغير شيئاً من الواقع، وهو أن جانب كبير من نكبتنا يكمن في نُخبتنا.

Comments


Search By Tags
Who Am I?

Dr. Amr Kais is a participating faculty at the AUC, a designated lecturer of various institutions, a Certified Management Consultant & Coach, also the founder and MD of Ipsos Egypt which is now the largest research company in Egypt and Middle East.

Other Posts
More on the web
Follow Me
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© 2016 Amr Kais

bottom of page