رؤية وجرأة
- Amr Kais
- Sep 21
- 2 min read

تناولت في معرض حديث سابق ما بات يعرف ب" السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية" مقارنة بتجارب الصين والهند وفيتنام ورواندا في التخطيط المستقبلي الناجح للتدليل على أن إعداد برامج اقتصادية وطنية وتحقيق نتائج ُمرضية من تنفيذها لا يعد من قبيل المعجزات، ولكنها لحظات فارقة من التاريخ، تتخذ فيها الدول قرارات جريئة تُعيد رسم مساراتها وتُعيد تعريف مكانتها في العالم، شريطة أن يتم اعدادها بنهج علمي وموضوعي. كما تطرقت أيضا لتجربة سنغافورة، التي كانت منذ ستين عامًا فقط مجرد ميناء صغير على أطراف آسيا، ثم صارت اليوم مركزًا عالميًا في التصنيع والخدمات المالية، بمعدل نمو سنوي للناتج المحلي الإجمالي يتجاوز 7%، وهو من بين الأسرع عالميًا. وعلى الرغم من كل ما حققته إلا أنها تعكف حاليا على وضع إستراتيجيات مستقبلية جديدة لتقود الموجة التالية من النمو بدلًا من مجرد ركوبها، بناء على فهم عميق "لساحات المنافسة الجديدة". فوفقًا لدراسات معهد ماكينزي العالمي، فإن "ساحات المنافسة" تعرف بأنها قطاعات اقتصادية تتسم بنمو استثنائي، وقدرة على خلق مركز للقيمة، والتحويل الجذري في قواعد المنافسة. هذه الساحات ليست مجرد قطاعات واعدة، بل هي منصات لانطلاق عمالقة المستقبل، ومؤشرات على أماكن تركز القيمة والاضطراب الخلاق خلال العقدين القادمين. ويعد الذكاء الاصطناعي مثال حي على تلك الساحات، فقبل عقدين، كان حكرًا على المختبرات البحثية، واليوم تقود شركات مثل OpenAI وNvidia الابتكار العالمي. ومن بين 12 ساحة ظهرت بين عام 2005 و2023، استحوذت الولايات المتحدة والصين على 80% منهـا، بينما لم تتجاوز مساهمة دول الآسيان 1%. لكنها أدركت أن هذا يمكن أن يتغير. فكيف؟
ومن المتوقع أن تولد هذه الساحات إيرادات سنوية تتراوح بين 29 و48 تريليون دولار بحلول عام 2040 نصفها تقريبًا في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وتشمل هذه الساحات ستة اتجاهات مترابطة: أشباه الموصلات، الاقتصاد الرقمي، الذكاء الاصطناعي، الكهرباء المتقدمة، الصناعات البيولوجية، وتطور العالم المادي (الروبوتات والمصانع واللوجستيات الذكية). وعلى الرغم أن أقل من نصف الشركات الرائدة في سنغافورة تنشط حاليًا في هذه الساحات، إلا أن التاريخ يُظهر أن الإشارات المبكرة حتى وإن كانت صغيرة، تُنبئ بالهيمنة المستقبلية. فشركات مثل GlobalFoundries وMicron توسع عمليات التصنيع المتقدم، بينما تقود Grab تجارب التنقل الكهربائي الذاتي. وتعمل TurtleTree على إنتاج بروتينات صناعية، وتطور Equatorial Space Systems خدمات إطلاق الصواريخ. وفي الواقع، تعتمد الإستراتيجية المحدثة لسنغافورة على أربعة محاور. الأول هو تعزيز دورها كجسر عالمي واقتصاد مفتوح عبر اتفاقيات تجارية رقمية، وربط لوجستي متقدم، ُيمكنها أن تظل نقطة وصل بين الشرق والغرب، خاصة مع توقعات بتحول 30% من التجارة العالمية بين الممرات بحلول 2035. أما الثاني، فهو تصنيع متقدم مدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ حيث يشكل التصنيع 20% من اقتصاد سنغافورة، خاصة في الإلكترونيات والبتروكيماويات. ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من الرقمي إلى المادي، يمكن لسنغافورة أن تقود مصانع ذكية، وأنظمة إنتاج مرنة، وسلاسل توريد متصلة لحظيًا. وقد فرض التقادم السريع للمهارات بتأثير التطور التكنولوجي المتسارع على سنغافورة أن يكون إعادة تشكيل منظومة التعليم والتأهيل المستمر ثالث المحاور. حيث أصبح عمر المهارات اليوم أقل من خمس سنوات، وفي مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، لا يتجاوز 2.5 سنة. لذا، يجب أن يتحول التعليم من نمط متقطع إلى تعلم مستمر مدعوما بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وبسياسات وطنية تُؤسس لهذا التحول. أما آخر المحاور فهو تحفيز رأس المال الخاص وتطوير تقنيات إدارة الثروات، لتحرير 45% من الأصول الشخصية في آسيا، وتحفيز استثمارات موجهة للساحات الستة السابق ذكرها.
ختاما، أتصور أن المثير للإعجاب فيما سبق، ليس فقط محتوى الإستراتيجية بقدر التمسك بـتبني ثقافة الفكر الاستباقي بدلا من ثقافة رد الفعل، وعدم الإرتكان إلى المعجزة السنغافورية التي نجحت في تحقيقها والاكتفاء بـالتغني بها.













Comments