عالم أبو العيش الذي نريده
- عمرو قيس
- Jul 4, 2017
- 2 min read

وسط الصخب الذي عايشناه أواخر رمضان بسبب قضية تيران وصنافير من ناحية وصراع القنوات و المسلسلات والإعلانات من ناحية أخري، رحل عنا بهدوء رجل عظيم هو الدكتور إبراهيم أبو العيش. فقد انسحب من الحياة بنفس الهدوء الذي لازمه طوال مشواره بها؛ حيث لم يملأ الاعلام صخبا وضجيجاً رغم إنجازاته التي لا تحصي ولا تعد بعكس كثير من رجال الأعمال.
كان أول لقاء بيننا منذ 17 عاماً، في بدايات عملي الخاص في مجال الأبحاث والإستشارات التسويقية. وقد كان لقاءً طويلاً مؤثراً. أدركت حينها أن الرزق لا يقتصر علي اكتساب عملاء جدد أو حتي علي الصحة فقط. فمقابلة أشخاص قادرين علي فتح أعيننا علي أمور لم نكن نراها، و تنوير عقولنا هو بالقطع رزق و فضل عظيم من الله. أضف إلى ذلك ثقته وتشجيعه لي رغم صغر سني آنذاك! و بالطبع كان لزاماً للقيام بمهمتي وقتها قضاء ساعات طويلة في مقر شركته ذات المباني شديدة البساطة والنظافة والهدوء.
مباني صديقة للبيئة بألوان بيضاء و زرقاء بلون السماء. أما المزرعة التي تزيد عن الـ 180 فدان في صحراء بلبيس فتعد وبلا شك نموذج عالمي للتنمية الحضارية والاهتمام بالبعد الإنساني. لذلك، لم يكن غريباً أن يحصل عام 2003علي جائزة نوبل البديلة المرموقة في هذا المجال، بالإضافة إلي العديد من الجوائز العالمية الأخرى. ففي نفس المكان، َشَّيد الحضانات والمدارس ومراكز محو الأمية والتدريب الفني و المهني علاوة علي المسرح الذي يعرض المسرحيات العالمية و موسيقي شوبان و موتسارت و بيتهوفن للعاملين و المزارعين و أبنائهم. و قد رأيت بنفسي أحفاده يجلسون جنباً إلي جنب مع هؤلاء في ذات المدرسة و ذات الفصل لتلقي العلم من نفس المدرسين، ولم يرسلهم لأحد المدارس الدولية لثقته في جودة ما يقدمه من تعليم و لتأكيد مبدأ المساواة و تكافؤ الفرص.
وأذكر عندما ُدعيت للاحتفال بذكري تأسيس شركته أنه لم يحرص علي دعوة كبار مسؤولي الدولة والصحافة والإعلام بقدر حرصه علي حضور وإسعاد كل العاملين وأهالي المزرعة لذلك الحفل الذي إتسم بالرقي و البساطة و الفقرات الفنية العالمية للارتقاء بذوقهم و حسهم الفني.
و عندما ُدعيت لحفل زفاف حفيدته الذي توقعت أن يقام في أحد فنادق الخمس نجوم الفخمة فوجئت أنه أقامه في المزرعة بصحراء بلبيس. وقد أحيا فقراته فرقة الفنون الشعبية التي أسسها و التي حصلت أيضاً علي جوائز في مهرجانات عالمية، بالإضافة إلي عروض موسيقية من أبناء مدرسته.
إنه الدكتور إبراهيم أبو العيش الذي ترك النمسا وعاد إلي مصر بعد حصوله علي شهادتين للدكتوراه في أوائل السبعينات ليحقق هذا الحلم وهذه الرؤيا علي أرض الواقع. وهو الواقع الذي ُيدرس في جامعات و مدارس بحثية عالمية رغم أنه كان الأولي أن ُيدرس في جامعاتنا . بل و يستحق عمل جائزة عالمية باسمه في مجال التنمية المجتمعية للتحفيز علي تكرار تلك التجربة الفريدة .
لقد رحل الدكتور إبراهيم أبو العيش لكن لم ينقطع عمله؛ فقد ترك الصدقة الجارية، و العلم الذي ُينتفع به و الولد الصالح الذي يدعو له كما قال رسول الله صلي الله عليه و سلم.













Comments