top of page

رسائل ملوثة

  • عمرو قيس
  • Jan 30, 2018
  • 2 min read



تماماً كما تصل للإنسان العناصر الضرورية لحياته ونموه وصحته عن طريق غذاؤه المادي، يمكن أيضاً للكثير من السموم أن تصل إليه بنفس الطريقة. كذلك الحال بالنسبة للغذاء الروحي والقيمي والذي نحصل عليه عن طريق الأنماط المختلفة لما نطلق عليه القوة الناعمة مثل السينما والتلفزيون والصحافة وشتى ألوان الفنون. حيث يمكن أن يصلنا من خلالها ما يساعد على بناء أخلاقيات ومنظومة قيم مجتمعية ومهنية راقية وبناءه، ويمكن أيضاً أن يصلنا من خلالها كل ما هو ملوث ومفسد. ولكل من يتساءل عما حدث للقوى الناعمة لدينا أو يريد تقييم مدى إيجابيتها او سلبيتها في القيام بدورها، يكفي أن نستعرض ونقارن أسماء وموضوعات أفلامنا التي تعرض حالياً في دور السينما مثل "جدو نحنوح"، "إطلعولي برة" وغيرها مع ما أنتجته حديثاً وتعرضه السينما العالمية مثل فيلم "Darkest Hour" والذي يوضح كيف كان الاختيار شديد الصعوبة لـ "ونستون تشرشل" رئيس وزراء بريطانيا في الأيام الأولى من الحرب العالمية الثانية بين الدخول في مفاوضات سلام مذلة مع هتلر على حساب قيم و مبادئ الانتصار للحرية ورفض الطغيان أو الدخول في حرب فرص الانتصار فيها ضعيفة للغاية وحجم التضحيات والخسائر مهولة.


وعلى الرغم من ضغوط كبار الساسة المحنكين عليه ليقبل التفاوض قرر أن يتوجه إلى مقر عمله بالقطار ليستطلع رأي عينة من قطاعات مختلفة من عامة الشعب ليجد لديهم تأييد وانتصار مطلق لقيم الحرية واستعداد للتضحية بكل ما هو نفيس دون التفاوض المذل. وهو القرار الذي اتخذه تشرشل لتصبح إرادة شعبه هي الفارق الحقيقي الذي أحرز النصر لوطنه ولتلك المبادئ.


أما فيلم "The Post" فقد نافش القضية المناسبة في الوقت المناسب. ألا وهي مصداقية الإعلام ورسالته بوجه عام والصحافة بشكل خاص. حيث تدور أحداثه في السبعينات حينما أخفت الإدارة الأمريكية ورئيسها في ذلك الوقت حقائق هامة حول حرب فيتنام بينما تصل هذه الحقائق إلى جريدة "الواشنطن بوست" وتصبح بين مطرقة مصداقيتها والتي يتوجب معها نشر هذه المعلومات كي يعلمها الشعب وسندان التنكيل والإيقاف من الرئيس الأمريكي آنذاك "نيكسون". فتنتصر الجريدة لمبادئها وتقوم بالنشر فيلجأ الرئيس إلى المحكمة العليا لإيقاف الجريدة فترفض وتصدر حكماً تاريخياً تقر فيه بأن الإعلام يسخر لخدمة المحكوم وليس الحاكم، لذا فإن قيام الجريدة بالنشر ما هو إلا اضطلاع بمسؤوليتها تجاه الشعب والمجتمع وان عدم النشر يعد تقصيراً منها. ولكن لا يكتفي الرئيس بهذا ولكن يصدر أمراً بمنع مراسلي الجريدة من دخول البيت الأبيض وعدم إرسال أي بيانات لها. ولكن ما هي إلا شهور قليله وتنشر نفس الجريدة تفاصيل أكبر فضيحة تجسس سياسية هزت أمريكا وهي فضيحة "ووترجيت" والتي أجبرت هذا الرئيس على الاستقالة ليتجاوز عمر هذه الجريدة التي عاشت بمبادئها عمر جلادها بعشرات السنوات.


لا شك في أن عصر الإعلام الرقمي الذي نعيشه أصبح يستحيل معه إخفاء أي شيء ولو لدقيقه ولكن مع الأسف يمكن معه تزوير الكثير من الحقائق وهو ما يخلق تحدياً أخلاقياً جديداً وكبيراً للإعلام.


كانت تلك عينة من القضايا التي ناقشتها الأفلام العالمية التي تعرض حالياً والقيم التي حاولت الانتصار لها وترويجها. فماذا عن أفلامنا ورسائلها؟


ثم نسأل اين ذهبت قوانا الناعمة وتأثيرها؟! لقد ذهبت مع جدو نحنوح!!

Comments


Search By Tags
Who Am I?

Dr. Amr Kais is a participating faculty at the AUC, a designated lecturer of various institutions, a Certified Management Consultant & Coach, also the founder and MD of Ipsos Egypt which is now the largest research company in Egypt and Middle East.

Other Posts
More on the web
Follow Me
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© 2016 Amr Kais

bottom of page