معضلة الخبرة
- عمرو قيس
- Oct 2, 2018
- 2 min read

كلمة خبرة "Experience" مشتقة من الكلمة اللاتينية "Experientia" ومعناها تجربه أو اختبار. وهي الكلمة التي نستخدمها لندلل على القيمة المعلوماتية والعملية لشخص ما في مجال أو تخصص ما. وبناء عليه، فكلما زادت سنوات الخبرة لدى شخص ما كلما زاد تقديرنا لقيمته في مجاله. وهو بالطبع ما جعلنا ُنثمن قيمة الخبرة بشكل مطلق سواء في مجال تربية الأبناء أو التعليم أو مختلف تخصصات الأعمال.
ولكن عملياً على أرض الواقع يكون ذلك التقييم المطلق بعدد سنوات الخبرة مضللاً في كثير من الأحيان. فمثلاً لا يمكن مساواة قيمة خبرة شخص أمضى 30 سنة في تعليم مستمر وممارسة عملية في مجال ما بقيمة خبرة شخص آخر أمضى أيضاً 30 سنه في مجاله ولكن فقط في تكرار عمل ما تعلمه في العام الأول لمدة 29 عاماً! لأننا في هذه الحالة سنساوى بين قيمة 30 سنه خبرة وتعلم وأداء حقيقي وبين خبرة سنة واحدة تكررت دون أي إضافة 29 مرة على مدار 30 سنة.
وبغض النظر عن مشكلة التقييم فالخبرة ليست كلها مزايا. حيث أثبتت الكثير من الدراسات العلمية، بل والشواهد العملية علاقة قوية بين الخبرة والثقة الزائدة والمفرطة في كثير من الأحيان. حيث كلما زادت سنوات خبرة الشخص في مجال ما، أصبح أكثر قابلية للإفراط في الثقة ومن ثم أصبح أكثر عرضة لارتكاب أخطاء فادحة من فرط الثقة ليؤكد صحة المثل الشعبي "غلطة الشاطر بألف". كما أن هناك علاقة عكسية قوية بين درجة الخبرة من ناحية والقدرة على تقبل التغيير واستيعابه واستيعاب كل ما هو جديد بشكل عام من ناحية أخرى. وهو بالطبع يعد عيباً لا يقل عن عيب الإفراط في الثقة. خاصةً وإننا أصبحنا نعيش في عالم الشيء الوحيد الثابت فيه هو التغيير، بل و بوتيرة شديدة التسارع وهو ما يعنى التقادم السريع لمن لا يستطيع مواكبة هذا التغيير. ولعل تلك المقاومة للتغيير من ذوي الخبرات لها ما يبررها، حيث أن التغيير يعنى بالنسبة لهم بأن قواعد اللعبة قد تغيرت، وبأن خبراتهم أصبحت غير ذات صلة بتلك القواعد الجديدة، ومن ثم لا قيمة لها، ويصبحوا على قدم المساواة مع عديمي الخبرة في سباق جديد لتعلم تلك القواعد الجديدة.
وبغض النظر عن السلبيات السابق ذكرها والتي ترتبط بالخبرة، فالمعضلة الرئيسية في هذا الموضوع هي أن الخبرة تستمد قيمتها من كونها مخزون معرفي يصلح للاستخدام والاستفادة منه في حال وجود تشابه وصلة بين ما سبق أو ما خبرناه في السابق وما يحدث مستقبلاً. لكن ماذا لو كان ما سوف يحدث مستقبلاً منبت الصلة عما كان يحدث في الماضي؟ وبالطبع نحن لا نعنى بهذا المستقبل البعيد بل السنوات القليلة القادمة بدءً من الآن، حيث أصبحت بالفعل 47% من الوظائف الحالية مهددة بأن يحل محلها الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence)، وأصبح 35% من مواليد عام 2000 والأعوام التالية لها مهددين بالبطالة لذات السبب.
فهل يأتي اليوم الذي تصبح فيه خبرات الآباء والأمهات محدودة القيمة وغير ذات صلة بالنسبة للأبناء؟ وكذلك خبرات المديرين بالنسبة لمرؤوسيهم وحتى خبرات الأساتذة بالنسبة لطلابهم؟ أو على الأقل، هل يستوجب هذا التغيير المتسارع إعادة النظر في دور وأسلوب كل من سبق ذكرهم في إعداد الأجيال القادمة لمواجهة مستقبل منبت الصلة عن حاضرهم.













Comments