top of page

في طي النسيان

  • عمرو قيس
  • Oct 16, 2018
  • 3 min read


قبل التعويم، كانت الفاتورة الباهظة للاستيراد مؤشراً واضحاً للخلل في بنيتنا الصناعية والتصديرية. حيث لا ُيقْدِم أي تاجر على استيراد أية سلعة دون التأكد من وجود مشترى وسوق رائجة لتلك السلعة. ووجود سوق رائجة لكل هذا الكم من السلع المستوردة في مصر يعنى بالقطع إما عدم وجود بديل ُمصنع محلياً لهذه السلعة، أو أن البديل يقل في مستوى الجودة عن المستورد بالقدر الذي يجعل المستهلك يقبل على شراء المستورد حتى لو كان أغلى سعراً من المحلى. وبالطبع لا يمكن الحديث عن تصدير أي سلعة مصنعة محلياً للأسواق الخارجية بينما لم تنجح هذه السلعة في منافسة مثيلاتها من السلع المستوردة في بلدها الأم.


أما بعد التعويم، ومع الانخفاض الكبير في قيمة الجنيه وما أدى إليه من انخفاض نسبى في قيمة المنتجات المصرية المنشأ مقارنة بمنتجات الدول الأخرى، فكان من المتوقع أن نشهد طفرة تصديرية في مصر بسبب تلك الميزة السعرية الكبيرة. ولكن لم يحدث ذلك مع الأسف سواء بالنسبة للحاصلات الزراعية، أو المنتجات المصنعة. فقد تعرضت الكثير من حاصلاتنا الزراعية للمنع من دخول العديد من الأسواق بسبب عدم مطابقتها للمواصفات والمعايير والاشتراطات الصحية التي تضعها الدول لحماية مواطنيها على المستويين، الصحي والجودة. أما المنتجات الصناعية، فعلى الرغم من كل الإجراءات التي اتخذتها الحكومة للحد من الاستيراد، فلا تزال الفاتورة الاستيرادية تشكل عبئاً كبيراً بما يؤكد استمرار الحال على ما هو عليه سواء من ناحية عدم وجود بدائل محلية للمنتجات المستوردة أو استمرار إقبال المستهلك المصري على المنتج المستورد رغم الارتفاع الكبير في سعره كنتيجة لتعويم الجنيه. وبالتالي، لم يكن مستغرباً أن لا نشهد طفره في تصدير هذه المنتجات إلى الخارج بينما تجد صعوبات في تسويق نفسها في بلدها الأم. وبالطبع يستثنى مما سبق بعض النماذج القليلة التي نجحت وتميزت في فتح أسواق تصديرية جديدة واعدة.


والغريب في الأمر هو التركيز والإصرار على محاولات التصدير إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية رغم صعوبة وحدة المنافسة في هذه الأسواق وارتفاع سقف توقعات مستهلكيها مقارنة بمستهلكي قارة أفريقيا. والأمر الأكثر غرابة هو ارتباط مصر باتفاقيات ومعاهدات تجارية مع كل أفريقيا تعطى المنتج المصري المنشأ مزايا تنافسية كثيره مقارنة بمنتجات الدول الأخرى. ومنذ أن تم توقيع هذه الاتفاقيات في عهد وزير التجارة والصناعة الأسبق محمد رشيد، لم يتم الاستفادة منها إلى أن ذهبت في طي النسيان. هذا رغم أن قارة إفريقيا التي ننتمي اليها، يقطنها 1,2 مليار مستهلك في 54 دولة بناتج قومي 3,5 ترليون دولار. إلا أن حجم التجارة البينية بين الدول الأفريقية بين بعضها البعض يبلغ 18 % فقط من إجمالي حجم تجارتها. بينما يصل حجم التجارة البينية بين دول أوروبا 70 % من إجمالي حجم تجارتها. وفي مشهد ُمغاير، يبلغ حجم التجارة البينية بين دول أمريكا الشمالية 55 % من إجمالي حجم تجارتها، رغم كونهم ثلاث دول فقط. وهو إن دل على شيء فإنما يدل على حجم الفرص المتاحة في أفريقيا للتجارة البينية والضائعة من رجال الأعمال المصريين. وهي الفرص التي َتمكن الصينيون رغم بعد المسافة من استغلالها بشكل مذهل؛ فأصبحوا الشريك التجاري الأول لقارة أفريقيا، واستطاعوا أن ينموا صادراتهم من 10,5 مليار دولار سنة 2000 إلى 166 مليار دولار سنة 2011!!


ولا تقتصر الفرص الضائعة على عدم التصدير لأفريقيا وعدم استغلال الاتفاقيات السابق ذكرها في ذلك، بل تمتد إلى عدم استغلال هذه الاتفاقيات أيضاً في الترويج لجذب الاستثمارات الأجنبية لمصر باعتبارها بوابة أفريقيا. حيث يحظى أي مستثمر أجنبي يقوم بالتصنيع في مصر بكل المزايا والإعفاءات التي تنص عليها هذه الاتفاقيات، في حال تصديره لأفريقيا من مصر، بينما لا يحظى بهذه المزايا في حال قيامه بالتصدير من موطنه الأصلي. ومع ذلك، لم يشفع هذا لتلك الاتفاقيات ألا تذهب في طي النسيان.

 
 
 

Comments


Search By Tags
Who Am I?

Dr. Amr Kais is a participating faculty at the AUC, a designated lecturer of various institutions, a Certified Management Consultant & Coach, also the founder and MD of Ipsos Egypt which is now the largest research company in Egypt and Middle East.

Other Posts
More on the web
Follow Me
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© 2016 Amr Kais

bottom of page