أعقلهم، أعذرهم
- عمرو قيس
- Jan 22, 2019
- 2 min read

يبالغ الكثيرون في مدح أو ذم شبكات التواصل الاجتماعي على الرغم من كونها مجرد أداه تتوقف مزاياها وعيوبها على مستخدميها وأسلوب استخدامهم لها وليس عليها، مثلها مثل أي أداة أخرى كالسيارات التي يمكن ان تكون وسيلة انتقال مفيدة أو أداة قتل، أو حتى الغذاء الضروري لحياتنا والذي يمكن أيضاً أن يتسبب في الكثير من الأمراض. لكن بغض النظر عن تلك الآراء حول شبكات التواصل الاجتماعي، فإنها تعد مصدر ثرى ومفيد جداً للمراكز البحثية المتخصصة وعلماء الاجتماع والمفكرين للتعرف على الحالة المزاجية للشعوب وما يشغل اهتمامهم، وكذلك التغيرات الاجتماعية التي تطرأ عليهم بمرور الزمن وتغير الظروف، وبالطبع المقارنة بين المجتمعات وبعضها. وعلى ذكر المقارنة، لفت أنتباهى ما ذكره الكاتب القدير " نيوتن" في إحدى مقالاته الأخيرة عن استئذان سائق السيارة الأجرة التي كان يستقلها في لندن بالوقوف لدقائق معدودة للاستماع لخطاب هام في الإذاعة يخص بعض التعديلات الضريبية، وأخذ السائق يدون ملاحظات ويحسب بعض الحسابات ثم ألتفت اليه ليقول له بأن هذه التعديلات الضريبية ستوفر له مبلغ 120 جنيه أسترلينى في العام. حدث ذلك في الوقت الذي كان جل اهتمامنا ينحصر في بطانة فستان إحدى الفنانات، ليس على مستوى سائقي الأجرة فقط بل ومن قبلهم الصفوة والنخب، وفي الوقت الذي نمر فيه بالكثير من الأحداث التي هي بالقطع أهم وأولى بالاهتمام.
ولا تعد دراسة هذه الاهتمامات والتحولات الاجتماعية رفاهية، حيث أن لها بالغ الأثر في كافة أوجه حياتنا اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً. ولعل اللافت للنظر من هذه التحولات هو التحول من رحابة الصدر والاحتمال والتسامح والصبر على بعضنا البعض الى التحفز والتربص وتصيد الأخطاء والحكم حتى على نيات الناس التي لا يعلمها إلا الله وليس على أفعالهم.
فإذا ما تصفحنا وسائط التواصل الاجتماعي نجد الكثير من التدوينات التي تؤكد هذا التحول، والكثير من التدوينات التي تحرض صراحة على عدم احتمال المحيطين بنا أو إعطاء لهم أي اعتبار فيما نفعل مثل " من لا يرضى بك وبتصرفاتك كما هي فليذهب الى الجحيم " وأبتعد فوراً عن كل من يتسبب في تعكير مزاجك" و " لا أحد يستحق أن تغير شيئاً من أجله" والكثير من التدوينات الأخرى التي تحمل نفس المضمون السابق ذكره.
وبعيداً عن تدوينات شبكات التواصل الاجتماعي، فإننا نلمس هذا التحول حياتياً أيضاً على مختلف الأصعدة. فعلى صعيد الشركات والأعمال، نجد من ناحية، المرؤوسين يريدون رئيساً على ذوقهم وهواهم ويعتبرون توجيهاته لهم إهانة لا يمحوها إلا الاستقالة، ومن ناحية أخرى نجد الرؤساء ليس لديهم استعداد لاحتواء مرؤوسيهم والصبر على أخطائهم وتصويبها. فتكون النتيجة استنزاف طاقة العاملين في النزاعات والخلافات وعدم الاستقرار بدلاً من توجيه هذه الطاقة للإنتاج والإبداع والابتكار.
وعلى الصعيد الاجتماعي، لا شك في أن معدلات الطلاق الغير مسبوقة التي نشهدها خير دليل على هذا التحول ولا يخفى على أحد التبعات السلبية الكثيرة والخطيرة لتزايد معدلات الطلاق، والتي لا يعلم البعض أن من ضمنها الزيادة المطردة في عدد السكان كنتيجة للإنجاب من الزيجة الثانية والثالثة ايضاً في بعض الأحيان بالإضافة الى الزيجة الأولى.
أري أن دراسة مثل هذا التحول والتحولات الأخرى التي حدثت في مصر بعد عام 2011 من قبل المراكز البحثية المتخصصة هو أمر شديد الأهمية بغرض الوقوف على أسبابها وتأثيرها وكيفية علاج آثارها السلبية الخطيرة. لعلنا حينئذ نعود لنقرأ على وسائط التواصل الاجتماعي مقولات كقول سيدنا على ابن ابى طالب " أعقل الناس أعذرهم للناس" بدلاً من " الباب يفوت جمل" ومثيلاتها المنتشرة حالياً. فجميعنا أحوج ما يكون إلى التسامح لا التغابن.













Comments