ضد الفطرة
- عمرو قيس
- May 21, 2019
- 2 min read

يعد علم التسويق أقرب العلوم الاجتماعية للفطرة الإنسانية. وهو ما يفسر قدرة بائع البطاطا على تطبيق أهم قواعد التسويق والترويج بنجاح وهي ال "Positioning" والتفرد في العرض البيعى " Unique selling proposition" بترويجه للبطاطا قائلاً " معسلة يا بطاطا" لجذب المشترين على الرغم من أنه لم يدرس علم التسويق من قبل وربما لا يجيد القراءة والكتابة. وكذلك بائع التين بنداء" حلاوة يا تين". ولا يعد ذلك مستغرباً، فنحن أيضاً نقوم بالكثير من الأنشطة التسويقية على مدار اليوم بالفطرة دون أن ندرى، بدءً من تصفيف الشعر وانتهاءً بما نقوم بنشره وتحميله عن أنفسنا عبر وسائط التواصل الاجتماعي. بالطبع، لا يقلل ذلك من أهمية دراسة علم التسويق الذي يختص بتعلم استخدام الأدوات التي من شأنها التعرف والتأثير على سلوك المستهلك بشكل احترافي فعال مهنياً وأخلاقياً. وهو العلم الذي يفترض أن يكون قد ألم به بقدر كاف كل من ينتمي الى مجال التسويق والإعلان.
تحضرني تلك الأفكار بقوه أثناء متابعتي للكثير من الحملات الإعلانية التي تذاع حالياً بمناسبة شهر رمضان والتي ينفق عليها الكثير سواء لإنتاجها أو لإذاعتها. وهو الإنفاق الذي يفترض أن يكون استثمارا محسوباً ليحقق عائد مجزى متمثلاً في خلق فرص بيعية ورواج يؤدى الى زيادة أرباح المعلن وانخفاض تكلفة الوحدة ومن ثم سعرها على المستهلك، فتعم المنفعة على الجميع. أما إذا ُأهدرت هذه الأموال دون عائد فإن المستهلك يتحمل تكلفتها في صورة زيادة سعرية للمنتج بما يسهم في خلق موجات تضخم متتالية.. وهو ما يجعل الكفاءة والفاعلية في الإعلان ضرورة وليس رفاهية.
ولكي يؤثر الإعلان في سلوك المشاهد، يجب أن يتعرض المشاهد للإعلان برؤيته بادئ ذي بدء وأن يتمكن من تمييز إعلان المنتج ورسالته من بين الإعلانات الأخرى. فهل يساعد طول الفواصل الإعلانية وكثرة الإعلانات في الفاصل الواحد التي تصيب المشاهد بالضجر على تحقيق ذلك، أم تجعله ينصرف عنها تماماً؟ وإذا كان المحتوى الإعلامي الذي تتخلله تلك الفواصل الإعلانية الطويلة هو في الأصل غير جاذب للمشاهد، فهل يسهم ذلك في تحقيق أي فرص لمشاهدة الإعلان الذي يتخلل ذلك المحتوى؟
ثم نأتي إلى محتوى الإعلان نفسه ورسالته. هناك الكثير من الأدوات التي يمكن استخدامها في الإعلان طالما أنها توظف بشكل صحيح لخدمة المنتج وإقناع المستهلك بالرسالة الإعلانية والمنتج. ومن أهم هذه الأدوات المشاهير من الممثلين والممثلات والمطربين والمطربات، وكذلك الأغاني والرقص والكوميديا وغيرها. ولكن يبقى التركيز على المنتج ورسالته الإعلانية هو ما يميز بين صناعة إعلان وصناعة أغنية او ما يطلق عليه" فيديو كليب" أو صناعة مسلسل كوميدي أو درامي مسلي. فمثلاً لا ينبغي بعد مشاهدتي للإعلان أن أتذكر الأغنية دون تذكر حتى أسم المنتج.
كم من الإعلانات التي نشاهدها حالياً نجحت في تحقيق ما سبق؟ أما عن الإعلانات الفجة وغير اللائقة أو التي تشجع على سلوكيات غير إيجابية فهذا شأن لا يقل أهمية عما سبق ذكره.
ختاماً، ونظراً لأهمية صناعة الإعلان، فإنها تخضع لقدر كبير من الضوابط القانونية والمهنية والأخلاقية في كل دول العالم. حتى أمريكا أكثر الدول انفتاحاً، تخضع فيها صناعة الإعلان منذ 1904 لقانون تنظيم الإعلان الفيدرالي وجهاز التجارة الفيدرالي وجهاز الاتصالات الفيدرالي. كما تخضع مهنياً وأخلاقياً لضوابط الأنظمة الأمريكية للإعلان. الأمر الذي يثير التساؤل حول ماهية الجهات التي تخضع لها الإعلانات في مصر ونوعية الضوابط القانونية والمهنية والأخلاقية لصناعة الإعلان في مصر. ذلك أن الكثير مما يحدث فيها، لا يتعارض فقط مع قواعد علم التسويق، بل يتعارض مع الفطرة الإنسانية والمنطق السليم.













Comments