top of page

الابتذال وثمنه

  • عمرو قيس
  • Oct 29, 2019
  • 2 min read


تعنى كلمة ابتذال لغوياً حسب ما ورد في المعاجم المختلفة، تدنى، سطحية، ركاكة، تفاهة ترك الاحتشام. وتعنى كلمة سوقية لغوياً أيضاً الاتصاف بعدم التهذيب والابتذال. أي أنهما إلى حد كبير وجهان لعملة واحدة. هذا من الناحية اللغوية، أما من الناحية العملية، فهي ما أصبحنا نعايشه في كل المجالات.


لقد ثار الكثير من الناس في الأسبوع الماضي عبر وسائط التواصل الاجتماعي مطالبين بالقصاص "لضحية الشهامة". وهو الأقرب الى الطفل ربما منه الى الشاب الذي تم قتله بدم بارد بواسطة زملاؤه المتشبهين بالنجم " نمبر وان" وأدواره الشهيرة مثل "موته" وغيرها وربما على أنغام أغاني المهرجانات، وذلك عقاباً له لأنه لامهم على التحرش بفتاة. لقد انتفض الناس لبشاعة هذه الجريمة وهي تمثل النتيجة والمحصلة النهائية لقبولنا بالابتذال تحت أي مسمى. ولكن ليتنا ننتفض بنفس القدر على الابتذال ورموزه وهم كثر مع الأسف كي لا ندفع هذا الثمن الفادح بسبب قبولنا به. فنحن دوماً نثور على النتائج التي لا ترضينا ولا نحرك ساكناً على الأساليب والمقدمات التي نعلم انها ستؤدى حتماً الى تلك النتائج والنهايات المفجعة.


وبالطبع، لا يقتصر الابتذال الذي نعانى منه على مجال التمثيل والغناء، بل أصبح سمة او سحابة سوداء تغطى كل المجالات. وفى كل هذه المجالات نرضى به ونتقبله ثم نثور على نتائجه لاحقاً. لقد رضينا بالابتذال في إدارة المحليات ثم غضبنا عندما علقنا في الشوارع الغارقة في مياه الأمطار. ورضينا بالابتذال في مجال الرياضة وجعلنا من رموزه نجوماً ومصدراً للتسلية والضحك، ولم نرضى بهزيمنا وخروجنا المبكر من كأس الأمم الافريقية. وكذلك في مجال التعليم عندما فجعنا لواقعة طلب أستاذ جامعي رشوه جنسية من طالبة مقابل نجاحها وقيام مدرس بمعاقبة تلميذ بإجباره على خلع ملابسه امام الطلاب او قيام مدرسة بقص شعر طالبة عقاباً لها على انها غير محجبة، على الرغم من المامنا التام بالمقدمات التي كنا نعلم انها حتماً ستؤدى إلى تلك النتائج. وكم كانت صادمة هي وقائع الفساد والرشوة التي تم ضبطها على الرغم من أن الكثير من الأساليب التي تؤدى لها بات ينظر اليها من قبل الكثيرين في مجتمع الاعمال على انها شطارة وذكاء. وكذلك الحال في مجال العمران؛ حيث تشهد على ذلك الكثير من المباني قبيحة الشكل والألوان والميادين بتماثيلها المشوهة. اما عن الاعلام فحدث ولا حرج.


وتكمن الخطورة هنا، ليس فقط في التأقلم على هذا الابتذال ونتائجه الوخيمة، ولكن في أن يصبح الابتذال شرطاً للنجاح والتميز وصدارة المشهد في أي مجال لنرى النصب ذكاء وقلة الأدب فصاحة والسير عكس الاتجاه في الشوارع فهلوه، ليتم تجريف الشخصية المصرية ومنظومة القيم المجتمعية شيئاً فشيئاً. ويصبح أساس المنافسة في أي مجال التمادي والابداع في الابتذال. وكيف لا؟ إذا كنا نسهم في الترويج لهذا الابتذال ليس فقط بقبوله ولكن بتسليط الضوء على رموزه وتشجيعهم في أحيان كثيره بدلاً من مقاطعتهم. فمثلاً ألا يتنافس اليوم الكثير من كافة طبقات المجتمع على دعوة مطربي المهرجانات لإحياء أفراحهم؟ وكذلك يفعل منظمي الحفلات ومنتجي الأفلام، بل والشركات الكبرى لرعاية تلك الحفلات؟


إن مقاومة هذا التيار الجارف من الابتذال تبدأ بنا كأفراد عن طريق مقاطعته واستنكاره واقتلاع رموزه وليس قبوله والمساهمة في انتشاره. إذا كنا لا نرضى بالثمن الفادح للابتذال والسوقية ونتائجهما، فيجب ان نلفظ اساليبه ورموزه اولاً.

 
 
 

Comments


Search By Tags
Who Am I?

Dr. Amr Kais is a participating faculty at the AUC, a designated lecturer of various institutions, a Certified Management Consultant & Coach, also the founder and MD of Ipsos Egypt which is now the largest research company in Egypt and Middle East.

Other Posts
More on the web
Follow Me
  • Facebook Basic Black
  • Twitter Basic Black
  • Black YouTube Icon

© 2016 Amr Kais

bottom of page